الثاني، وهو (( منتهى الشيء ) )، لأن الأول ـ بحسب ما بسطه أهل اللغة من أمثلة ـ أكثر حسِّية من الثاني.
ولكن لا يبعد القول بأن هذين المعنيين ليسا منفصلين، بل هما جزآن لمعنى واحدٍ مركبٍ من كليهما، وهو (( رفع الشيء إلى أقصى غايته ) ). أي أن النص، في أصله اللغوي، لم يكن يعني رفعا مجردا وإنما رفعا مخصوصا بكونه بلغ الغاية.
ويؤيد استنتاجَنا هذا، دلالةُ بعض المعاني التي تطور إليها اللفظ على لزوم توافر هذين المعنيين كليهما فيه: كالنَّص بمعنى الظاهر إلى الغاية، كما هو الحال في ظهور المِنَصَّة، وفي ظهور لفظ الكتاب والسنة ـ ولذا قال الباجي وابن السمعاني والعُكْبُري في تعريف (( النص ) ): هو (( ما رُفع في بيانه إلى أقصى غاياته ) ) [1] ـ وكالنُّصة بمعنى ما أقبل على الجبهة من الشعر، ولا يخفى كونُ الجبهة هي أرفع عضو في الإنسان. وكالنَّص بمعنى إسناد القول إلى الرئيس الأكبر، أي الرفع له إلى منتهى غايته وهي قائلُه الأول.
ولعلَّ هذه العلاقةَ الوثيقة بين جزئي معنى النص (الرفع + الغاية) هي التي دفعت ابن فارس إلى الجمع بين هذين الجزأين في نَسَقٍ واحد، وبالتالي إلى جعْلهما منبثقين عن أصل معنوي واحد لا أكثر، وذلك في معجمه الذي احتفل فيه بالدلالات الأصلية للكلمات. فقال في المادة (( ن ص ) ): (( النون والصاد أصل صحيح يدل على رفع وارتفاع وانتهاء في الشيء ) ) [2] .
(1) الباجي، الحدود في الأصول، ص 42. وابن السمعاني، قواطع الأدلة في الأصول، ج 1، ص 259. والعكبري، رسالة في أصول الفقه، ص 105.
(2) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج 5، ص 356، 357.