النصّية [1] . ومن هنا ارتضى تعريف النص بأنه: (( ما لا يتطرق إليه التأويل ) ) [2] ، أي أن اللفظ يظل نصا حتى لو كان محتملا ما لم يرد دليل يدعم هذا الاحتمال وحينئذ يتطرق إليه التأويل. ثم أعرض عن هذا الجواب في (( البرهان ) )وأبطل (( عزة النصوص ) )بالقول بأن النصوص القواطع تكثر إذا ما نظرنا إلى القرائن المقالية والحالية التي تحتف بالألفاظ [3] .
أما الشاطبي فقد استغل القول بـ (( عزة النصوص ) )ـ ولم يعجبه القول بالقرائن كحل لهذه المشكلة ـ ليجعله، مع القول باشتراط توافر القطع في القاعدة الأصولية، إحدى أهم الدعائم لنظريته القائلة بضرورة استخدام (( الاستقراء ) )للوصول إلى القطع [4] .
الملاحظة الثالثة: أن بعض الأصوليين، كالباقلاني، اقتصر في تعريف النص على اللفظ القاطع الذي يدل بمنطوقه دون ما يدل بلازمه. فقال الباقلاني بعد ذِكْر قِسْمٍ من أقسام الكلام المفيد: (( ويُوصف هذا الضرب بأنه (( نص ) )، ومعنى وصفه بذلك ظهور معناه من غير احتمال، وكون المذكور فيه منطوقا باسمه الموضوع له، وفي التصريح به دون الإضمار له والكناية عنه )) [5] .
وما نراه هو أن الباقلاني تأثَّر بهذا الاختيار لمدلول النص بإطلاقٍ للنص في لغة المتقدمين من الأصوليين والفقهاء لا سيما الإمام الشافعي، حيث شاع في لغته، المقابلة بين (( النص ) )و (( الدلالة ) ): النص يعني به الملفوظ بعينه، والدلالة يعني بها ما سوى الملفوظ بعينه، كالمدلول عليه التزاما، أو قياسا، أو بعموم لفظ. ومن أمثلة ذلك قول الشافعي عن القرآن الكريم: إن الله (( بيّن فيه ما أحل وما حرّم وما حمد وما ذم وما يكون عبادة وما يكون معصية، نصَّا أو دلالة ) ) [6] . وفي الأم: (( قلتُ للشافعي: وهكذا نص السنة؟ قال: لا، ولكن هكذا دلالتها ) ) [7] . وقال: (( قلت: أفتجد في التنزيل سقوط الحد عنه؟ قال: أما نصا فلا، وأما استدلالا فنعم ) ) [8] .وقال: (( إن الله
(1) انظر: الغزالي، المنخول، ص 165. وإنما قلنا: (( على لسان الغزالي ) )في المتن؛ لأن كتاب (( المنخول ) )لا يعدو كونه تلخيصا لآراء إمام الحرمين كما علقها الغزالي عنه أثناء الدرس، ولذا قال الغزالي في ختامه [المنخول: ص 504] : (( هذا تمام القول في الكتاب، وهو تمام المنخول من تعليق الأصول، بعد حذف الفضول، وتحقيق كل مسألة بماهية العقول، مع الإقلاع عن التطويل، والتزام ما فيه شفاء الغليل، والاقتصار على ما ذكره إمام الحرمين، رحمه الله، في تعاليقه، من غير تبديل وتزييد في المعنى وتعليل ) ).
(2) الغزالي، المنخول، ص 165.
(3) انظر: الجويني، البرهان، ج 1، ص 277.
(4) انظر: الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 35.
(5) الباقلاني، التقريب، ج 1، ص 340.
(6) الشافعي، أحكام القرآن، ج 1، ص 18.
(7) الشافعي، الأم، ج 4، ص 72.
(8) الشافعي، الأم، ج 5، ص 135.