وبهذا قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الإِمام في علم الأصول والفقه وغيره.
وحكى القاضي عياض -رحمه الله- هذا المذهب عن المحققين، واحتج القائلون بهذا؛ فإن كل مخالفة، فهي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة، ولهذا قال السلف -رحمهم الله-: لا تنظر إلى الذنب، ولكن انظر إلى مَنْ عصيت، وهذا كله يدل على عدم قسيم الكبائر من الصغائر، وقد بينا دليل وجودها: وأما الثاني: فهو انحصارها في عدد.
ولا شك أنه ثبت في الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"الكبائر سبع" [1] ، وهذه الصيغة، وإن كانت تقتضي الحصر، فهو غير مراد بلا شك. وإنما وقع الاقتصار على السبع في هذا الحديث، وفي رواية في"صحيح مسلم": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"الكبائر ثلاث"، وفي أخرى:"أربع" [2] ؛ لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها, لا سيما فيما كانت عليه الجاهلية، ولم يذكر في بعضها ما ذكر في الأخرى، وذلك يدل على أن المراد: البعض، ويكون التقدير: من الكبائر.
ولهذا ثبت في الصحيح:"من الكبائر شتم الرجل والديه"، وثبت في عدم الاستبراء من البول، وفي النميمة: أنهما من الكبائر. وجاء في غير الصحيح من الكبائر: اليمين الغموس، واستحلال بيت الله الحرام.
وتقدم مذهب ابن عباس وأبي إسحاق وغيرهما: أن الكبائر كل ما نهى الله عنه.
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما: أنه سئل عن الكبائر، أسبع هي؟ فقال: هي إلى
(1) رواه البخاري (2615) ، كتاب: الوصايا، باب: قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10] ومسلم (89) ، كتاب: الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ:"اجتنبوا السبع الموبقات "الحديث.
(2) انظر:"صحيح مسلم" (1/ 91 - 92) .