قلت: وإن أريد بسرر شهر شعبان أوله، على ما ذكره بعضهم أن سرر الشهر: أوله، فلا تعارض بين الحديثين -أيضًا-، والله أعلم.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقُولُ:"إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَقْدُرُوا لَهُ" [1] .
قوله:"فإن غُمَّ عليكم"معناه: حالَ بينكم وبينه غيمٌ، يقال: غُمَّ وأُغْمِيَ وغُمِّي وغُمِيَ -بتشديد الميم وتخفيفها، والغين مضمومة فيهما-، ويقال: غَبِي -بفتح الغين وكسر الباء-، وكلها لغات صحيحة، وقد غامت السماء وغَيَّمت وأَغامت وتَغيَّمت وأغتمت [2] .
وقوله:"فاقدروا له"قال أهل اللغة: يقال: قدرتُ الشيء أقدُرُه وأقدِرُه وقَدَرْته وأقدرْتُه بمعنى واحد، وهو من التقدير [3] ، ومنه قوله تعالى: {فَقَدَرنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [المرسلات:23] ، واختلف العلماء في معناه في الحديث، فقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجمهور السلف والخلف: معناه: قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا، وتؤيده الروايات:"فعدوا ثلاثين"،"فاقدروا ثلاثين"،"فصوموا ثلاثين يومًا"،"فأكملوا العدد"، كل ذلك في"صحيح مسلم" [4] ، وفي رواية
(1) رواه البخاري (1801) ، كتاب: الصوم، باب: هل يقال: رمضان أو شهر رمضان؛ ومن رأى كله واسعًا، ومسلم (1080) ، (2/ 760) ، كتاب الصيام، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال.
(2) انظر:"مشارق الأنوار"للقاضي عياض (2/ 135) ، و"النهاية في غريب الحديث"لابن الأثير (3/ 388) ، و"شرح مسلم"للنووي (7/ 186) .
(3) انظر:"غريب الحديث"لابن قتيبة (1/ 254) ، و"شرح مسلم"للنووي (7/ 186) ، و"لسان العرب"لابن منظور (5/ 77) ، (مادة: قدر) .
(4) رواه مسلم (1081) ، (2/ 762) ، كتاب: الصيام، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال.