الإفاضة، وسواء كان قارنًا أو مفردًا، وقال ابن الجهم المالكي: لا يحلق القارن حتى يطوف ويسعى؛ لأنه يرى أن حجه وعمرته قد تداخلا، والعمرة باقية في حقه، وهي لا يجوز الحلق فيها قبل الطواف.
وقد أشار إلى هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - في القارن:"حتى يحلَّ منهما جميعًا" [1] ؛ فإنه يقتضي أن الإحلال منهما يكون في وقت واحد، فإذا حلق قبل الطواف، فالعمرة قائمة؛ بهذا الحديث، فيقع الحلق فيها قبل الطواف، وردَّ عليه شيخنا أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى-، وقال: هذا باطل بالنصوص وإجماع من قبله، وقد ثبت الأحاديث؛ بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلق قبل طواف الإفاضة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قارنًا في آخر مرة [2] ، قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد - رحمه الله: وهذا إنما ثبت بأمر استدلالي لا نصِّي؛ أعني: كونه - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا في آخر أمره.
وابن الجهم على مذهب مالك والشافعي، حيث قالا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مفردًا أولًا. وأما الإجماع، فبعيد الثبوت إن أراد الإجماع النقلي القولي، وإن أراد السكوتي، ففيه نظر، وقد ينازع فيه -أيضًا-، والله أعلم [3] .
عَنْ عَائشِةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَفَضْنا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَا يُريدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّها حَائِضٌ، قَالَ:"أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟"، قالوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، قال:"اخْرُجُوا" [4] .
(1) رواه البخاري (1481) ، كتاب: الحج، باب: كيف تهل الحائض والنفساء، ومسلم (1211) ، كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام، عن عائشة - رضي الله عنها -.
(2) انظر:"شرح مسلم"للنووي (9/ 51 - 52) .
(3) انظر:"شرح عمدة الأحكام"لابن دقيق (3/ 78) .
(4) رواه البخاري (1646) ، كتاب: الحج، باب: الزيارة يوم النحر.