فهرس الكتاب

الصفحة 1188 من 2991

وفي ساعة صفت سماؤها، وشهدتها الملائكة، جلس التاريخ على ركبتيه وتمرغ بين يديه، وإذا بقوات المصطفى صلى الله عليه وسلم تحاصر مكة حصارًا محكم الحلقات، وإذا بالرسول عليه الصلاة والسلام يلقي بيانه المشهور أمام أهل مكة، أهل مكة الآن يستمعون جميعًا أمام البيت الحرام، يستمعون إلى القائد المنتصر العظيم، نبينا صلى الله عليه وسلم الآن يقف خطيبًا، ويلقي ببيانه الحاسم، وينظر إلى وجوه ذكرته بالعداء، وجوه ناصبته الكراهية والحقد إحدى وعشرين سنة، إحدى وعشرين سنة وهي تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان بإمكانه أن يشير بإحدى أصابعه إلى أحد قواته المسلحة، كان بإمكانه أن يلقي إليهم بالإشارة من سبابته، وأن يحول شوارع مكة إلى أنهار من الدماء، ولكن تدرون ماذا فعل؟؟ ما كان يتهدد وما كان يتوعد، وما عرف السجون، ما سمع بالمعتقلات، ولا أقر الظلم حتى مع الكافر، النفوس الكبار فوق الأحقاد، فوق الضغائن، فوق الرذائل، فوق التشفي، لا تعرف حقدًا ولا حسدًا، وهل هناك يا عباد الله نفسًا أكبر من نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

وبين تيجان السرور وأكاليل السرور وباقات العطور وهلالات النور وكنوز الدر المنشور سأل المصطفى عليه الصلاة والسلام: يا أهل مكة، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: (خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم) ، فماذا أجابهم؟؟ الذين خاطبه ومولاه بقوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] ، قال: (( اذهبوا فأنتم الطلقاء، لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين ) ).

أيها المؤمنون، إذا أردنا زعامة فليس لنا أسوة إلا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أردنا سياسة فليس لنا سياسة إلا في منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أردنا حكمًا فليس هناك إلا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت