كان هذا في يوم بدر، يوم النصر الحقيقي الذي لا جدل فيه، ولا التواء، ولا متاجرة، ولا مداهنة، ولا مساومة، ولا أنصاف حلول، فالعقيدة لا تقبل المساومة ولا تقبل أنصاف الحلول، ليس بين الإيمان والكفر حد وسط، وإذا بالملاك جبريل يقود كتيبة من الملائكة، هبطوا إلى الأرض، هبطوا إلى أرض المعركة، ألف من الملائكة لا تستطيع الأسلحة البشرية أن تؤثر في أجسامهم، عباد الله هل يهزم جيش فيه الله تبارك وتعالى؟ هل يهزم جند عاشوا ويعيشون مع الله تبارك وتعالى؟ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ الَّذِينَ ءامَنُواْ سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الاعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12] ، لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18] .
عباد الله، رمضان شهر الفتح، ففي العام الثامن من الهجرة، وفي اليوم العاشر من رمضان دخل القائد العظيم والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مكة، ولما دخلها قالوا له: انزل بيتك يا رسول الله، انزل ببيتك القديم، فقال لهم: (( وهل ترك المشركون لي بيتًا أنزل فيه ) )حتى بيته أخذوه! إذًا فأين ينزل.
وهنا يمر شريط الذكريات ذكريات الوفاء، ونبينا صلى الله عليه وسلم كله وفاء، قال: (( اضربوا لي خيمة أمام قبر خديجة ) )، وخديجة تحت أطباق التراب، لكنه لا ينسى أيامها، تلك أيام الوفاء، وجلس أمام قبرها يستعيد الذكريات.