وهكذا يتبين لنا أثر الصيام في اكتساب خلق الصبر؛ فإذا تحلى الإنسان به كان جديرا بأن يفلح في حياته، وأن يقدم الخير العميم لأمته، ويترك فيها الأثر الكبير. وإن عطل من الصبر فما أسرع خوره، وما أقل أثره. ثم إن الإنسان - أي إنسان - لا بد له من الصبر إما اختيارا وإما اضطرارا، ذلك أنه عرضة لكثير من البلاء في نفسه بالمرض، وفي ماله بالضياع، وأولاده بالموت، وفي حياته العامة بالحروب وتوابعها من فقدان كثير من حاجاته التي تعوّدها في حياته؛ فإذا لم يتعوّد الصبر على المشاق وعلى ترك ما يألف وقع صريع تلك الأحداث. وكذلك حال الإنسان مع الشهوات؛ فهي تتزي له وتغريه، وتتمثل له بكل سبيل؛ فإذا لم يكن معه رادع من الصبر، ووازع من الإيمان أوشك أن يتردى في الحضيض. ومن كان متصديا للدعوة إلى الإصلاح، منبريا للدفاع عن الحق فما أشد حاجته إلى الصبر، وتوطين نفسه على المكاره؛ فإن في ذلك السبيل عقبة كؤودا لا يقتحمها إلا ذو الهمم الكبيرة؛ فإن في طوائف المبطلين أو المفسدين نفوسا طاغية، وأحلاما طائشة، وألسنة مقذعة، وربما كانت في أيد باطشة، وأرجل إلى غير الحق ساعية. وإنما تعظم همة الداعي إلى الحق والإصلاح بقدر صبره، وبقدر ما يتوقعه من فقد محبوب، أو لقاء مكروه؛ فلابد لأهل الحق من الصبر على دعوة الناس، ولابدّ لهم من الصبر في إنتظار النتائج، لأن استعجال الثمرة قد يؤدي إلى نتائج عكسية تضر أكثر مما تنفع؛ فالصبر إذا اقترن بالأمر كان عصمة للداعية من الانقطاع، وتفجرت بسببه ينابيع العزم والثبات. إنه الصبر المترع بأنواع الأمل العريض، والثقة بمن بيده ملكوت كل شيء، ليس صبر اليائس الذي لم يجد بدّا من الصبر فصبر، ولا صبر الخاضع الذليل لغير ربه جلّ وعلا.