فهرس الكتاب

الصفحة 1331 من 2991

والثاني كقوله - تعالى: [فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ] [ (آل عمران:170)

ولقد ذكر الله - سبحانه - الأمر بالفرح بفضله ورحمته، عقيب قوله: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ] [ (يونس:57)

ولا شيء أحق أن يفرح به العبد من فضل الله ورحمته التي تتضمن الموعظة وشفاء الصدور من أدوائها بالهدى والرحمة؛ الهدي الذي يتضمن ثلج الصدور باليقين، وطمأنينة القلب به، وسكون النفس إليه، وحياة الروح به.

الرحمة التي تجلب لها كل خير ولذة، وتدفع عنها كل شر وألم.

والموعظة التي هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.

وشفاء الصدور المتضمن لعافيتها من داء الجهل، والظلمة، والغي، والسفه، تلك الأدواء التي هي اشد ألمًا لها من أدواء البدن.

فالموعظة، والشفاء، والهدى، والرحمة هي الفرح الحقيقي، وهي أجلّ من يفرح به؛ إذ هو خير ٌ مما يجمع الناس من أعراض الدنيا وزينتها، فهذا هو الذي ينبغي أن يفرح به، ومن فرح به فقد فرح بأجل مفروح به، لا ما يجمع أهل الدنيا فيها؛ فإنه ليس بموضع للفرح؛ لأنه عرضة للآفات، وشيك الزوال، وخيم العاقبة، وهو طيف خيال زار الصبَّ في المنام، ثم انقضى المنام وولى الطيف، وأعقب مزاره الهجران.

فالدنيا لا تتخلص أفراحها من أتراحها، وأحزانها البتة، بل ما من فرحة إلا ومعها طرحة سابقة، أو مقارنة، أو لاحقة.

ولا تتجرد الفرحة، بل لابد من طرحة تقارنها، ولكن قد تقوى الفرحة على الحزن، فينغمر حكمه وألمه مع وجودها وبالعكس.

فالفرح بالله ورسوله، وبالإيمان، وبالقرآن، وبالسنة، وبالعلم من أعلى مقامات العارفين، وأرفع منازل السائرين، وضد هذا الفرح الحزن الذي أعظم أسبابه الجهل، وأعظمه الجهل بالله، وبأمره، ونهيه؛ والعلم يوجب نورًا، وأنسًا، وضده يوجب ظلمه ويوقع فيه وحشة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت