ومن أسباب الحزن تفرق الهم عن الله؛ فذلك مادة حزنه كما أن جميعة القلب على الله مادة فرحه ونعيمه، ففي القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه، وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون وحده مطلوب، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تُسدَّ تلك الفاقة منه أبدًا ( أنظر مدارج السالكين لابن القيم 2/148 - 156 )
هذا هو الفرح الحق، وهذا هو فرح أهل الإيمان لا فرح أهل الأشر والبطر والطغيان.
هذا وإن للصائمين من هذا الفرح نصيبا غير منقوص، كيف وقد قال النبي r في الحديث المتفق عليه"وللصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه"
قال ابن رجب - رحمه الله: (أما فرحة الصائم عند فطره فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم، ومشرب، ومنكح؛ فإذا امتنعت من ذلك في وقت من الأوقات، ثم أبيح لها في وقت آخر فرحت بإباحة ما منعت منه، خصوصًا عند اشتداد الحاجة إليه؛ فإن النفوس تفرح بذلك طبعًا؛ فإن كان ذلك محبوبًا لله كان محبوبًا شرعًا) .