روى الترمذي والحاكم بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حلِّه ـ يعنى صاحبه ـ، فيُلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب، زده، فيُلبَس حُلة الكرامة، ثم يقول: يا رب، ارض عنه، فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارتق، ويزداد بكل آية حسنة ) ). وفي الحديث الصحيح الذي رواه الطبراني وابن السني في عمل اليوم والليلة عن معاذ قال: قال رسول الله: (( ليس تحسُّر أهل الجنة إلا على ساعةٍ مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها ) ).
يا صائمون، القرآن ربيع الأبرار ونور القلوب وحُداء الصائمين وروضة القانتين، وما طابت الحياة بغير ذكر الله، وإن أعظم الذكر أن يذكر الله بكلامه وخطابه وما خرج منه، أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت:51] . وإن لذائذ الدنيا لتهون عند لذة القرآن وفرحته وحلاوته، قل بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] .
أيها الصائمون، لقد كان صيام رسول الله مُزدانًا بقراءة القرآن ذكرًا وتلاوة وتدبرًا، فقد كان القرآن سميره وأنيسه، وميدانه وبستانه، يذاكره جبريل عليه السلام القرآن كل سنة، فيقف عند مواعظه ويتأمل أسراره ويتدبر معانيه وأحكامه. إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء:9] .
ولقد أدرك السلف الصالحون والتابعون لهم سر عظمة القرآن، فطاروا بعجائبه، وعاشوا مواعظه وحلاوته، وفى المواسم الفاضلة يزداد التعلق ويشتد التسابق، وتشتعل الهمم والعزائم، وتبيت نفوس الصالحين في موكب القرآن هنيّة طيبة نديّة، وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ [المطففين: 26] .