أيها الإخوة، لقد كان للسلف والصالحين أحوال عجيبة مع القرآن، ننقلها إليكم لتكون لنا حافزًا إلى الخيرات وسائقًا شديدًا في طلب الدرجات.
قال عبد الله بن مسعود: (ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذ الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون) .
وقال معاذ في مرض موته: (اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني ما كنت أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار ولا غرس الأشجار، وإنما لمكابدة الساعات وظمأ الهواجر ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر) .
وقيل لأبي الدرداء وكان لا يفتر من الذكر: كم تسبح في كل يوم؟ قال: مائة ألف مرة إلا أن تخطئ الأصابع.
وكان الأسود بن يزيد يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين. وعن الحارث بن يزيد أن سُليم بن عِتر كان يقرأ القرآن كل ليلة ثلاث مرات. وعن ابن شوذَب قال: كان عروة يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف نظرًا، ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قُطعت رجله، وكان وقع فيها الآكلة فنُشرت.
وقال سلام بن أبي مطيع: كان قتادة يختم القرآن في سبع، فإذا جاء رمضان ختم القرآن في كل ثلاث، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة.
وفي ترجمة حمزة بن حبيب الزيات قال الذهبي رحمه الله:"كان إمامًا حجة، قيمًا بكتاب الله، عابدًا خاشعًا قانتًا لله، ثخينَ الورع، عديم النظير"، وروي عنه أنه قال:"نظرت في المصحف حتى خشيت أن يذهب بصري". وكان رحمه الله يُقرئ القرآن حتى يتفرق الناس، ثم ينهض فيصلي أربع ركعات، ثم يصلي ما بين الظهر والعصر، وما بين المغرب والعشاء، وحدَّث بعض جيرانه أنه لا ينام الليل، وأنهم يسمعون قراءته يرتل القرآن.
وعن نافع قال: لما غُسِّل أبو جعفر القارئ نظروا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف، فما شكَ من حضره أنه نور القرآن، رحمه الله.