فهرس الكتاب
يا عبدَ الله، يا أمةََ الله، هل يأتي عليكما رمضان وأنتما في قوةٍ وعافيةٍ؟! فكم من إنسان صام رمضان الفائت في عافيةٍ وصحة وقوة يأتي عليه رمضان القابل وهو قعيدُ الفراش أسيرُ المرضِ. هل يأتي عليك رمضان وأنت في أمن وأمان على نفسك وأهلك ومالك؟!
يا عبد الله، يا مَن تعيش آمنًا مُستقِرًّا تتلذّذ بخيرات الله، خِلْ نفسَك واحدًا من هؤلاء الذين يصومون وهم أُسارى أو يتسحّرون ويفطرون على الحدود وفي الملاجئ، خِلْ نفسك واحدًا من أولئك الذين يحتاجون إلى الفِطْر دفاعًا عن الملة والدين، خِلْ نفسك جائعًا مطرودًا شريدًا كما يحصل للمسلمين الفلسطينيين وغيرهم من المسلمين في غير ما مكان، الذين يعانون آلام الحصار والتشرذم والشتات وتسلط الكفار والفجار.
رمضان شهر الشعور بإخوانك المسلمين، فأي رمضان رمضانك؟! هل شعرت بإخوانك في أقاصي الأرض ومغاربها؟! لا بد للمسلم الصائم أن يشعر بآلام المسلمين، وأن يستشعر حال إخوانه في كل مكان، فإذا جاع تذكر أن آلاف البطون جوعى تنتظر لقمةً، فهل من مُطعِم؟! وهو إذا عطش تذكّر أن آلاف الأكباد عطشى تنتظر قطرةً من الماء، فهل من ساقٍ؟! وهو إذا لبس تذكر أن آلاف الأجساد قد لحقها العري، فهل من كاسٍ؟! يشعر بنعمة الله جلا وعلا عليه أن أعطاه السحور والإفطار وغيره محروم، أن ألبسه وغيره عارٍ، فالحمد لله على نعمائه.
رمضان شهر العبادة، فأيُ رمضان رمضانك؟! هل اتخذت منه فرصة لتربية نفسك على العبادة؟! فالصيام يربينا على العبادة، فلئن كان المسلم يعبد ربه جل وعلا في سائر شهوره وأيامه إلا أنه يأخذ في رمضان دورةً عباديةً يزيد فيها من جُرُعَات الطاعة ونَكَهاتِ الإيمان والإخلاص، حتى يقوى على ما تبقى من الشهور، ويجعل هذه الفرصة مُنطَلَقًا إلى فعل الخيرات، تقول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره. أخرجه مسلم.