ويا حسرة على أقوام تُعَساء يستقبلونه بالضَّجَر والتضايق والحرج، على أنه شهر جوع نهاري وشبع ليلي. إن بعض العصاة يرونه مانعًا لهم من شهواتهم ومن مآربهم الباطلة، فهم كالذئاب في الليل تَعْوِي، وكالجيف في النهار تَخُور كما يَخُور الثور. ويا عجبًا هل يُتَأفَّف من شهر الرضوان والرحمة؟! لا والله، بل هو شهر الخير والنعمة والبركة. إن الواحد من هؤلاء ـ هداهم الله ـ يُحس بالحرمان من الشهوات، ولذلك تراهم إذا قدم رمضان غيرَ فرحين بقدومه؛ لأن هؤلاء يريدون أن يغترفوا من حَمْأَة اللذة المحرمة، حتى لقد قال بعض التُّعَساء من أولاد الخلفاء كما ذكره الحافظ ابن رجب في الوظائف:
دعانِيَ شهرُ الصوم لا كان من شِهْرِ ... ولا صُمتُ شهرًا بعده آخرَ الدهرِ
فلو كان يُعْدِيني الأنامُ بقوةٍ ... على الشهر لاسْتَعدَيتُ قومي على الشهرِ
والذي حصل لهذا الشاب أن ابتلاه الله بمرض الصَّرَع، فكان يُصْرَعُ في اليوم مراتٍ وكراتٍ، وما زال كذلك حتى مات قبل أن يصوم رمضان الآخر، نسأل الله تعالى حسن الختام.
أيها المسلم، إن من نعم الله تعالى عليك أن مدّ في عمرك، ومدّ في أنفاسك، وجعلك تدرك خيرات هذا الشهر العظيم، فاحمدوا الله ـ عباد الله ـ أن بلَّغكم، واشكروه على أن أخَّركم إليه ومكَّنكم، فكم من طامعٍ بلوغَ هذا الشهر فما بلغه، كم مؤمِّل إدراكَه فما أدركه، فاجأه الموت فأهلكه.
أيها المسلمون، بلغناهُ وكم حبيب لنا فقدناه، أدركناه وكم قريبٍ لنا أضجعناه، صُمناه وكم عزيز علينا دفناه.
يا ذا الذي ما كفَاهُ الذنبُ في رجب ... حتَّى عصى ربَّه في شهر شعبانِ
لقد أظلك شهرُ الصّوم بعدهُما ... فلا تصيّره أيضًا شهرَ عِصْيانِ
واتل القُرَان وسبِّح فيه مجتهدًا ... فإنه شهر تسبيح وقرآنِ
كم كنت تعرف ممن صام في سَلَفٍ ... من بين أهل وإخوان وجيرانِ
أفناهم الْموتُ واستبقاك بعدَهم ... حيًا فما أقرب القاصي من الداني