فهرس الكتاب
خير هذه الأمة من كان مشتغلًا بالقرآن، وإن كان عظيما، وإن كان ذا جاهٍ أو سلطان ، فسنذكر من سيرة الأصحاب - رضوان الله عليهم - أن شرف هذه الخيرية ما شغلهم عنه شاغل، ولا صرفهم عنه صارف ، وإن قادوا الجيوش، وإن حكموا الديار والبلاد فإن ارتباطهم بالقرآن ، وحرصهم على هذه الفضيلة العظيمة ، ما قعد بهم عنها شيءٌ مطلقا، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل التقديم في أعظم أمرٍ من أمور هذا الدين مرتبطًا بالقرآن العظيم، أعظم ركنٍ بعد الشهادتين ركن إقام الصلاة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله ) ولذلك جُعلت هذه الفضيلة شرفًا، وجُعلت خصيصةً ، وجُعلت حكمًا فقهيًا يُقدَّم به الأولى في حفظ كتاب الله - جل وعلا - حتى ترتبط الأمة بكل ما يتعلق به الأجر والثواب ، وكل ما يتعلق به الشرف في هذه الحياة الدنيا بالنسبة لهذا الدين، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم- ربط الأمر في أعظم أمور الدنيا وهي أمور الولايات أيضا بالقرآن وفَهمه وتلقِّيه . ورد في صحيح مسلم أن عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه- لقي أميره أو واليه على مكة في موسم الحج فقال: من خلَّفت على أهل مكة ؟ قال: خلَّفتُ فيهم ابن أبزا . قال: ومن ابن أبزا هذا؟ قال: مولى من موالينا- أي كان أصله من العبيد والرقيق - فقال عمر - رضي الله عنه -: خلَّفت على أمر مكة مولى - أي ما وجدت غيره كأنه لم يرضى ذلك أول الأمر - فقال له: يا أمير المؤمنين إنه ... وبدأ يسرد له قائمة المؤهِلات والشهادات ، فلم يذكر إلاَّ شيئًا واحدا أنه قارئٌ لكتاب الله تعالى . فقال عمر - مؤيِدًا ومؤكدًا ومدللًا على صحة هذا النهج -: أما إني سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم- يقول: ( إن هذا الله يرفع بهذا القرآن أقوامًا ويضع به آخرين ) . فالرفعة في الحياة الدنيا، والرفعة في أمور الدين مرتبطة بهذا القرآن العظيم .