والأمر الثاني يقول الله - جل وعلا - { وهذا كتاب أنزلنه مباركٌ ليدَّبَّروا آياته وليتذكَّر أولوا الألباب } فما نزل هذا القرآن لنهذَّ به هذَّاء الشعر ، كما قال ابن مسعود في صحيح مسلم:"لا تهذُّوا القرآن هذَّاء كهذِّ الشعر، ولا يكن همُّ أحدكم آخر السورة"كما قد نفعل اليوم فنقرأ حتى تختلط الحروف ونسرع حتى ننتهي في أقلِّ وقت، كلا ! بل لا بدَّ أن يكون لنا حظٌ من التدبُّر فإن الله - جل وعلا - أنزل هذا الكتاب للتدبُّر ونعى على من لا يتدبَّرُ فيه فقال جل وعلا: { أفلا يتدبَّرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها } { أفلا يتدبَّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرا } وبعد التدبُّر - الذي هو التفَّهم وإدراك المعاني ومعرفة الأحكام والوقوف على الآداب - يأتي الأمر الأهم وهو العمل بهذا القرآن ، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو داود في سننه: ( من قرأ القرآن وعمل بما فيه أُلبس والده تاجًا يوم القيامة ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيهم ) فما ظنُّكم بالذي عمل بهذا ! . وأهل الله هم أهل القرآن الذي كانوا يعملون به في الدنيا كما ورد في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم- فإنما جاء هذا القرآن ليُطبَّق ولينفَّذ في واقع الحياة ، وكانت عائشة قد أوجزت إيجازًا بليغًا عظيمًا عندما قالت عن النبي - صلى الله عليه وسلم-:"كان خلقه القرآن"كنت ترى القرآن في حياته كلها بألفاظه، وكلماته ، وأفعاله ، وجهاده ، ومعاملته لأهله ، وفي كل شيءٍ من الشؤون.