فهرس الكتاب
فشرط فيه أن يكون صومه إيمانًا و احتسابًا، و لا شك أن معنى الإيمان هو: التصديق بأنه عبادة لله، فرضه على العباد، و أما الاحتساب فهو: احتساب ثوابه عند الله، و ذلك يستدعي مراقبة ربه في كل الأحوال.
ذكر بعض العلماء: أن الصيام سر بين العبد و بين ربه، حتى قال بعضهم: إنَّه لا يطلع عليه أحد من البشر أولا تكتبه الحفظة.
فيمكن للصائم أن ينفرد في زاوية من الزوايا أو في مكان خفي، و يتناول المفطرات بحيث لا يراه أحد، و لكن المؤمن الذي يصوم إيمانًا و احتسابًا و يعبد ربَّه و يعلم أن الله يراقبه، كما قال تعالى:"الذي يراك حين تقوم * و تقلبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم" (الشعراء:218-220) . يعلم بأن ربه يراه حيث كان، فمثل هذا لا يتناول شيئًا من المفطرات و لو اختلى بها، و لو كان جائعًا فإنه يصبر على الجوع و لا يصبر على غضب ربه.
هذا معنى كون الصيام سرًا خفيًا لا يطلع عليه إلا الله، و هذا معنى كونه إيمانًا، يعني ما حمله على صيامه إلا الإيمان؛ ترك شهواته إيمانًا بالله، إيمانًا بأنه هو الذي فرضه، وإيمانًا بأنه هو الذي حرم عليه هذه الشهوات و هذه الأشياء.
فالصيام الصحيح هو الذي تظهر عليك آثاره، و تحفظه في كل حالاتك، و تتذكره في كل الأوقات و لا تخدشه بشيء من المنقصات.
فإذا فعلت ذلك، فإنَّ صومك يترتب عليه مغفرة الذنوب، كما قال صلى الله عليه و سلم:"غفر له ما تقدم من ذنبه"، فلا شك أن هذا العمل الذي هو الصيام لما كانت هذه آثاره كان محببًا للنفوس الزكية، النفوس السليمة، النفوس الصحيحة النقية، التي تسعد بهذا الصيام و تزكو و ترتقي.