فهرس الكتاب
أتى رمضان مدرسة العباد ... لتطهير القلوب من الفساد
فأدّ حقوقه قولًا وفعلًا ... وزادك فاتخذه للميعاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها ... تأوه نادمًا يوم الحصاد
فلتقطف بعض الدروس من هذه المدرسة، فمنها:
الدرس الأول: إعداد النفوس؛ إذا كان الجهاد فيه انتصار على العدو فإن الصيام انتصار على النفس، وترويض لها لتتصل بخالقها وتقدم أمره على هواها، فالصائم ترك شهوته لله بالنهار تقربًا إلى الله وطاعة، ثم يبادر إليها في الليل تقربًا إلى الله وطاعة، فما تركها إلا بأمر ربه، ولا عاد إليها إلا بأمر ربه، فهو مطيع لربه في الحالين مرددًا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285] .
الدرس الثاني: الانتصار على الهوى؛ ها هو العبد يخلو لوحده مع شدة ظمئه وجوعه وعنده ما لذ وطاب من الطعام والشراب، ونفسه تأمره بأن يروي ذلك الظمأ ويسد ذلك الجوع، وهواه يدفعه للعصيان إلا أنه يمتنع خوفًا من العزيز الجبار، أليس في ذلك انتصار على الهوى وتحقيق لمراتب العلا؟! إن من يمتنع عن شهواته ولذاته في وقت لا يطلع عليه إلا خالقه امتثالًا لأمره وخضوعًا لحكمه مع شدة صراع الشهوات في قلبه لَيَنتج لديه ملكة المراقبة لباريه وتعظيم ربه وقدره حق قدره، وهذه هي أعلى مراتب الدين وهي مرتبة الإحسان؛ أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وبهذا يدرك المسلم الذي طالما شكا من تسلط هواه أن الهوى سهل صرعه وطرحه متى ما أذعن العبد لربه واستعان بخالقه على قهره، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40، 41] .