فهرس الكتاب

الصفحة 1519 من 2991

عباد الله، من أراد الله به خيرًا حبَّب إليه الإيمان، وزيّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، فصار من الراشدين، ومن أراد به شرًّا خلَّى بينه وبين نفسه، فاتبعه الشيطان، فحبَّب إليه الكفر والفسوق والعصيان، فكان من الغاوين. فالحذر الحذر ـ يا عباد الله ـ من المعاصي، فكم سلبت من نعم، وكم جلبت من نقم، وكم خرّبت من دِيَار، وكم أخلت دَيَّارًا من أهلها فما بقي منهم أحد، كم أخذت من العصاة بالثأر، كم محت لهم من آثار.

عباد الله، أين أحوالنا اليوم من أحوال السلف الصالح؟! كان دهرهم كله رمضان، ليلهم قيام، ونهارهم صيام. باع قوم من السلف جارية، فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهّبون له ويستعدّون بالأطعمة وغيرها، فسألتهم فقالوا: نتهيّأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان؟! لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان، ردّوني عليهم.

عباد الله، الدنيا كلها شهر صيام المتقين، يصومون فيه عن الشهوات والمحرمات، فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم، واستهلّوا عيد فطرهم. من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته، ومن تعجّل ما حرَّم الله عليه قبل وفاته عُوقِب بحرمانه في الآخرة وفواته، اقرؤوا قوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20] . وقد ورد في الحديث الشريف قول رسول الله: (( من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ) )، وفي حديث آخر: (( لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنّت أمتي أن يكون رمضان السنة كلها ) ).

وكان السلف الصالح يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلّغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبّل منهم الصيام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت