فهرس الكتاب

الصفحة 1611 من 2991

هكذا انكسر نبيّنا بين يدي ربّه، ومن بعده تتتابع قوافل المنكسرين؛ رئي عليٌّ رضي الله عنه في بعض مواقفه وقد أرخى الليلُ سدولَهُ وغارت نجومُهُ، وقد قبض على لحيته في محرابه يتململُ ويقولُ: (يا دنيا، ألي تعرّضتِ، أم بي تشوقت؟! هيهات هيهات، غرّي غيري، فعمرُك قصير، وخطرك كبير، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق!) . ودخل علي بن الحسينِ رضي الله عنه ذات ليلة الحجر يصلي، فجعل يقولُ في سجودِهِ:"اللهم عُبيدكَ بفنائك، مسكينكَ بفنائك، سائلك بفنائك". ومن جميل صور انكسارِهِ رضي الله عنه بين يدي ربِّهِ هذه المناجاة العجيبةُ:"كل شيءٍ خاشعٌ لك، وكل شيء قائمٌ بك، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوةُ كل ضعيف، ومفزَع كل ملهوف، من تكلّم سمعتَ نطقه، ومن سكَت علمت سرّه، لم ترك العيون فتخبر عنك، بل كنت قبل الواصفين من خلقك، لم تخلق الخلق لوحشة، ولا استعملتهم لمنفعةٍ، ولا يسبقك من طلبتَ، ولا يفلتك من أخذت، ولا ينقص سلطانك من عصاك، ولا يزيدُ في ملكك من أطاعك، ولا يرد أمرك من سخط قضاءَكَ، ولا يستغني عنك من تولى عن أمرك، سبحانك ما أعظم شأنك، وما أعظم ما نرى من خلقك، وما أصغر أيّ عظيمة في جنب قدرتك". وها هو الحسنُ البصريُّ الإمام العابدُ المنكسرُ لا يكادُ يراهُ أحدٌ إلا ظنّه حديث عهد بمصيبةٍ. وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله إذا دخل بيته ألقى نفسه في مسجده، فما يزال يدعو ويبكي حتّى تغلبَهُ عيناه، ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلتَهُ أجمعَ.

هكذا إذن كان المنكسرونَ تضرعًا ومناجاةً وتقرُّبًا. وها نحنُ اليوم في فاتحة شهر الانكسارِ شهر رمضان، الشهر الذي يعلِّم القلبَ كيف يخشع وينكسرُ ويذلُّ ويلين، الشهر الذي يعلّم العين كيف تستعبر وتكتبُ بدمعِها قصّةَ التوبة والإنابة والاستغفار، الشهر الذي يعلّم الروحَ كيف تخرجُ من إسارِها وتنطلقُ إلى ربّها باكيةً منكسرةً راجية راهبةًً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت