رمضانُ بالْحسنات كفك تزخر ... والكون فِي لألاء حسنك يبحر
يا موكبا أعلامه قدسية ... تتزين الدنيا له وتعطر
أقبلت رحْمى فالسماء مشاعل ... والأرض فجر من جبينك مسفرُ
هتفت لمقدمك النفوس وأسرعت ... من حوبها بدموعها تستغفر
لأمت بتوبتها جراح ذنوبِها ... والنفس تسمو بالصيام وتطهرُ
هذا هو رمضانُ بما فيه من انكسار الروح والقلب وذلتهما للخالق الجليل. ولعل سائلًا يسأل: ولماذا ننكسرُ في رمضانَ دون غيرهِ؟! أيُّ سر فيه يجعل القلوب أدنى لهذه الكسرةِ الإيمانية الخاشعة؟! والحقُّ أنّ في هذا الشهر الكريم جملةً من المزايا في هذا البابِ:
فأول ذلك أن شهر رمضان هو شهر البركةِ في المشاعر الإيمانية عمومًا؛ إذ يفيضُ الله على قلب الصائم من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه وتنعّمه بحبه والشوق إليه وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ونعيم الأرواح وقرة العين وبهجة النفوس والروح والقلب.
وثاني ذلك أنّه شهرُ نزول القرآن كما صح في الحديث، والقرآن قد قال الله عنه: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر:21] . فما أرجى شهر نزول القرآن الذي يصدع الجبال، ما أرجاه أن يكون شهر انكسارٍ للعزيز الجبار.
وثالث ذلك أنّه شهر تصفيد الشياطين.
ورابع ذلك أنّه شهر التخفّف من فضول الطعام والكلام ومخالطة الأنام.
وخامس ذلك أنّه شهر تكفير الذنوب.
وسادس ذلك أنّه شهر استجابة الدعاء.
وسابع ذلك أنّه شهر فتح أبواب الجنان وغلق أبواب النيران.
وثامن ذلك أنّه الاستجابة والحرص على الطاعةِ.
وتاسع ذلك أنّه شهرُ التعاونِ على البر والتقوى.
وعاشر ذلك أنّه شهر التوبة والإنابة.
وهكذا تجتمع هذه الأسباب العشرةُ لتجعل من رمضان شهر انكسارٍ وذلة وإقبال.
الخطبة الثانية