معاشرَ المسلمين، إنّ شهرَ رمضان بمقاصده وخصائصِه وعَبَق ذكرياتِه هو مبعَث عِزِّنا ومناطُ فخرِنا ومَرفأ جَدِّنا ومجدِنا، تضمّن البطولاتِ والفتوحات وتنزُّلَ الآيات البيّنات، فيه عُلوُّ الأمجادِ والظّهور على قوى الشرِّ والإلحاد مهما أجلَبوا بالخيل والعتاد. وفي الجملة ـ يا رعاكم الله ـ هو موسمٌ لتجارةٍ مع الله رابحةٍ، وفرصةٌ لرفع الدرجات وتكفير السيِّئات مواتِيَة سانِحة، من ضيَّعها فقد أدنى بخسَه وأشقَى المحرومُ نفسَه. أما كان بيننا أحِبَّةٌ وأتراب، أُسِلموا للثَّرى والتراب؟! كانوا كالشّموس بيننا والأقمار، قد طواهم البوار إلى دار القرار. فيا ليت شِعري، أين فرسان الكلام وحُذّاق النِّثار والنِّظامِ يصفون لياليَه الزّهر الباهرة وآلاء أيّامه المتظاهرة، بل ما لا يكاد يُحصَى فيه من صنوفِ الخير ودُروب الهدى، ولا تسَل عن غُرَّة جبينِه ليلةِ القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر.
إخوةَ الإيمان، ذلكم هو شهر رمضان، وذلكم فحواه ومبناه، وإن الغيورَ ليتساءل في لهفٍ لهيف: هل استطاعت أمّتنا الإسلاميّة أن تعيَ حقيقةَ الصوم بكلِّ ملامحِها ودلائلها من نهَلٍ للنَّقل وجلاءٍ للعَقل وصفاءٍ في القلب وأُنسٍ للروح ووعيٍ مقتَرنٍ بالتقوى وعِلمٍ متّصل بمخافة المولى جلّ وعلا؟! هل أدركنا أنّ لشَهر رمضانَ نورًا يجدر أن تستضيء به النفوس والقلوب، فتثبتُ الأمّة أقدامَها على طريق التغيير بوعيٍ لا تشوبه رغبات، وبثبات لا يعكِّره ارتجال وثَبات؟! أم أنّ حظّنا من رمضانَ هو الاسم المعروف والزّمن المألوف وصِلة المناسبة المنبَثّة عن الواقِع والحال حين تشرِق الشمس أو يُطلّ الهلال. ويالله، كم نسعد ونغتبِط بشهر رمضان حين نجعَل منه دورةً زمنيّة قويَّة خيِّرة، تقودنا إلى تحقيقِ الذات والنصرة على المعتدين بيقين وثبات، وما أعظمَه حين ذاك خيرًا يُصنَع ودرجةً مؤثّلَةً تُنال.