فهرس الكتاب
ففي رمضان إثبات لحاكمية الله - سبحانه و- تعالى - على العباد، فالمسلم في هذا الشهر يجدد انتماءه لله الواحد القهار، الحاكم بأمره، السّان لكافة القوانين الدنيوية والأخروية، المرتكزة على قاعدتي الطاعة والعبادة، لقوله - تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) ، الذاريات: 56-57، والمبنية على حرية الاختيار التي لا تحرم المختار حقه في التمتع بالحياة الدنيوية مع تحمله لما يترتب على ذلك من ثواب وجزاء وذلك على القاعدة المستقاة من قوله - تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) : البقرة: 256.
وهذا الأمر هو على نقيض حاكمية العولمة التي تفرض سيطرتها على الإنسان بالقوة والإكراه، فارضة عليه طاعة قوانين وضعية لا تؤمن له أدنى مستويات العيش الكريم من جهة، وتساعد غيره على إحكام سيطرته على موارده البشرية والمادية من جهة أخرى، وذلك دون أي مقابل لهذه الطاعة اللّهم إلا مزيدًا من الانكسار والذل والحرمان.
وفي رمضان أيضًا تحد كبير للعولمة الفكرية التي تبث أفكارًا غربية تروج لفكرة التمتع بالشهوات المادية والجسدية دون أية ضوابط أو تحمل للمسئولية، مدّعين أن إطلاق العنان للشهوات يساعد على حصول الإنسان على حريته وسعادته، في حين أن الصوم يثبت أن السعادة والحرية الحقيقيتين لا تكون بالتمتع بالشهوات بل في الترفع عنها، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما قال:"ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، و ثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه"، رواه الترمذي.