فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب, وتحيى بها الضمائر, وتسعد بها النفوس, وهي تؤدي هذه الفريضة العظيمة طاعة لله, وإيثارًا لرضاه , والتقوى هي: التي تحرس القلوب وتحفظ النفوس من مظلات الفتن, ووساوس الشياطين , والمخاطبون بهذا القرآن يدركون مقام التقوى عند الله, ووزنها في ميز انه سبحانه, فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم, وتشتاقها نفوسهم, وهذا الصوم أداة من أدواتها وطريق موصل إليها فإن لم يثمر الصوم خشيةً في القلوب, وإرهافًا في الشعور وتخل عن الذنوب, وندمًا على الأعمار المهدرة والسنين المبعثرة إنْ لم يثمر الصوم هذا كله أو جله فهو مضيعة للوقت, وتبديد للجهد فيما لا فائدة فيه وإنْ لم يثمر الصوم عزمًا صادقًا, ويقينًا واثقًا على التوبة النصوح, والاستقامة على الهدى, والعزيمة على التقى, فليس لله حاجه بأنْ يدعَ الصائمُ طعامه وشرابه .
أيها المسلمون: لقد أساء الكثيرون فهم الإسلام, واتخذوا أجل عبادته وأعظم شعائره اتخذوها عبادات جوفاء لا روح فيها, ولا تأثير لها, بل إنها أقرب للعادات منها للعبادات, وإلا فما معنى أنْ يتحول أعظم شهور هم وأنفس أوقاتهم شهر الصيام والقيام, شهر بدرٍ, وفتح مكة, ما معنى أنْ يتحول ذلك الشهر العظيم إلى شهر الأسواق المزدحمة ؟ والشوارع المكتظة, والموائد الممتدة بألوان الإسراف والتبذير, وما معنى أنْ يتحول أعظم الشهور وأقدس الدهور إلى شهر لعرض الفتنة ؟ وإثارة الغرائز, وتدمير الأخلاق, لقد نتج عن سوء فهم الإسلام, وسوء فهم شعائره ومقاصده ومراميه, ما تعانيه الأمة كلها من الذل والهوان, وتسلط الأعداء يسومونها سوء العذاب , ويسفكون دمائها, ويستبيحون ويدنسون عقائدها, ويعبثون بأخلاقها, وقيمها, بل إنهم ليمارسون وصاية ذليلة على شعوبها, ويرسمون للأمة سياساتها, ويوجهون زمام الأمور فيها وصدق فينا قول القائل:
ويُقضى الأمرُ حين تغيبُ تيمٌ ولا يستأمرون وهم شهودُ