فهرس الكتاب

الصفحة 1765 من 2991

ولذلك فليحذر المسلم من أن يتعب نفسه ثم لا يجد من الأجر شيئًا، عن أبي هريرة قال: قال: (( رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر ) ).

فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والكيس الفطن من يعمل العمل ويأمل بذلك ثواب الله، فكما أن العامل يكدح ويعمل وهو يتقن عمله حتى ينال أجرته فكذلك المسلم لا يفسد عمله حتى يلقى الله وهو عليه راض، جاء أن عمر رأى ذات يوم راهبا فبكى، فقيل له عن ذلك، فقال: تذكرت قوله تعالى: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية:3، 4] .

فطوبى لمن بادر عمره القصير فعمر به دار المصير، وتهيأ لحساب الناقد البصير قبل فوات القدرة وأعرض النصير، كان الحسن يقول:"عجبت لأقوام أمروا بالزاد ونودي فيهم بالرحيل، وجلس أولهم على آخرهم وهم يلعبون"، وكان أبو بكر بن عياش يقول:"لو سقط من أحدكم درهم لظل يومه يقول: إنا لله ذهب درهمي، وهو يذهب عمره ولا يقول: ذهب عمري، وقد كان لله أقوام يبادرون الأوقات ويحفظون الساعات ويلازمونها بالطاعات".

فيا عبد الله، هلال الهدى لا يظهر في غيم الشبع، ولكن يبدو في صحو الجوع وترك الطمع، واحذر أن تميل إلى حب الدنيا فتقع، ولا تكن ممن قال: سمعت وما سمع، ولا ممن سوّف يومه بغده فمات ولا رجع، كلا ليندمن على تفريطه وما صنع، وليسألن عن تقصيره في عمله وما ضيع، فيا لها من حسرة وندامة، وغصة تجرع عند قراءة كتابه وما رأى فيه وما جمع، فبكى بكاء شديدًا فما نفع، وبقي حزونًا لما رأى نور المؤمن يسعى بين يديه وقد سمع، فلا ينفعه الحزن ولا الزفير ولا البكاء ولا الجزع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت