فيا مَن أفاء الله عليه من الموسرينَ، إنَّ الله هو الذي يعطِي ويمنَع ويخفِض ويرفَع، وهو الذي استخلَفَكم فيما رزقَكم لينظرَ كيف تعملون، والمؤمِنُ في ظِلِّ صدقته يومَ القيامة، وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39] ، ولن يُعدَم الموسِر محتاجًا يعرِفه بنفسِه أو جهاتٍ موثوقَةٍ تعينُه.
أيّها المسلمون، الصومُ حِكَم وأسرار، ومنها أنّه حِرمان مشروع وتأدِيبٌ بالجوع وخُشوع لله وخضوع، يستثير الشَّفَقةَ ويحضُّ على الصّدقة، يكسِر الكِبر، ويعلِّم الصبر، ويسنُّ خِلالَ البرّ، حتى إذا جاعَ مَن ألِفَ الشِّبَع وحُرِم المترَف أسبابَ المُتَع عرَف الحرمانَ كيف يقع والجوعَ كيفَ ألمُه إذا لذع.
أيّها المؤمنون الصّائمون، رمَضان شهرُ الفُتوحات والانتِصارات، وبقدر ما نستبشِر بحلوله بقدرِ ما نعقِد الآمالَ أن يبدِّل الله حالَ الأمّة إلى عزٍّ ونصرٍ وتمكين، وأن يردَّها إليهِ ردًّا جميلًا، وإلاَّ فإنّ رمَضانَ يحلّ بِنا والأمة مثخَنَة بالجراح مثقَلَة بالآلام. يحلُّ رمضانُ ومسرَى رسولِ الله محتَلّ من حُثالةٍ نجِسة قد أصاب رجسُها أصقاعَ الأرض. يحُلّ رمضان والمرابِطون في أكنافِ بيت المقدِس من المؤمنين يقتَلون ويشرَّدون وتهدَم منازلهم وتجرَف أراضيهم وتبَادُ جماعتهم برِعايةِ الظالمين الذين شغَلوا الناسَ بطغيانٍ مماثلٍ له في أرضِ العراق، فإلى الله المشتكى. إنَّ أقلَّ حقٍّ لإخوانِكم وليس بقليلٍ في هذا الشهرِ الكريم أن تذكروهم بدعاءٍ صادق، وأن تدعُوا الله لهم في سجودِكم وإخباتكم، وأن تشاطِروهم قضاياهم وتهتمّوا بأحوالهم، ومن لم يهتمَّ بأمرِ المسلمين فليس منهم، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا [النساء:84] .