فهرس الكتاب

الصفحة 1953 من 2991

في الناس أيها الإخوة من تطغى عليه فرحة العيد فتستبد بمشاعره ووجدانه لدرجة تنسيه واجب الشكر والاعتراف بالنعم، وتدفعه إلى الزهو بالجديد والإعجاب بالنفس حتى يبلغ درجة المخيلة والتباهي، وما علم هذا المتباهي أن العيد قد يأتي على أناس قد ذلوا من بعد عز، في العيد تهيج في نفوسهم الأشجان وتتحرك في صدورهم كثير من الأحزان، ذاقوا من البؤس ألوانًا بعد رغد العيش، وتجرعوا من العلقم كيزانًا بعد وفرة النعيم، فاعتضاوا عن الفرحة بالبكاء، وحل محل البهجة الأنين والعناء، أما نظر هؤلاء في أطفال البوسنة وفي أيامى الهرسك، في مشردي بورما والصومال، كم من يتيم ينشد عطف الأبوة الحانية، ويتلمس حنان الأم الرؤوم، يرنو إلى من يمسح رأسه ويخفف بؤسه، كم من أرملة توالت عليها المحن فقدت عشيرها، تذكرت بالعيد عزًا قد مضى تحت كنف زوج عطوف، كل أولئك وأمثالهم قد استبدلوا بعد العز ذلًا، وبعد الرخاء والهناء فاقة وفقرًا، فحق على كل ذي نعمة ممن صام وقام أن يتذكر هؤلاء، فيرعى اليتامى ويواسي الأيامى، ويرحم أعزة قوم قد ذلوا، وغرباء قد شردوا، كم هو جميل أن تظهر أعياد الأمة بمظهر واعٍ لأحوالها وقضاياها، فلا تحول بهجتها بالعيد دون الشعور بمصائبها التي يرزح تحتها فئام من أبنائها، حيث يجب أن يطغى الشعور بالإخاء قويًا، فلا تُنسَ البوسنة والهرسك ولا تُنسى فلسطين العزيزة ولا الصومال والفلبين، ولا الإخوة في الهند وكشمير، ولا في أراضي من المسلمين أخرى منكوبة، كيف تنسى بمجاهديها وشهدائها، بيتاماها وأراملها، بأطفالها وأسراها ومشرديها، لماذا يتركون يستنجدون أمم الأرض لقمة وكساءً وخيمة وغطاء، وفي المسلمين أغنياء وموسرون، كم هو جميل أن يقارن الفرح بالعيد وبهجته السعي لتفريج كربة وملاطفة يتيم، ومواساة ثكلى، يقارنه تفتيش عن أصحاب الحوائج، فإن لم تستطع خيلًا ولا مالًا فأسعفهم بكلمة طيبة وابتسامة حانية ولفتة طاهرة من قلب مؤمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت