ولقد خص الله سبحانه وتعالى هذا الشهر الكريم بصيام نهاره، والصوم من أفضل الأعمال وأجلها، وصاحبه مستوجب ـ بفضل الله ورحمته ـ غفرانَ ما تقدم من ذنبه إن صام بصدق وإخلاص، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) )متفق عليه. ومعنى (( إيمانًا ) )أي: تصديقًا بثواب الله، (( واحتسابًا ) )أي: طالبًا الأجرَ من الله لا من غيره.
وإن من مزايا الصيام أن الله سبحانه وتعالى أضافه إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: (( قال الله تبارك وتعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم إني صائم. والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه ) )متفق عليه.
وأفاد هذا الحديث من قوله: (( والصيام جنة ) )أنه وقاية؛ لأن الصوم يقي الإنسان من مهاوي الردى، ويصرفه عن سبيل أهل النار، ويبعده عن طريق الشيطان، ويصرفه عن المعاصي ما ظهر منها وما بطن، ولا يتحقّق للصائم ذلك إلا إذا اجتنب المحظورات الحسية والمعنوية، (( فلا يرفث ) )أي: لا يفحش، وقيل: لا يجامع في نهار رمضان؛ لأنّ الجماع عمدًا في نهار رمضان من كبائر الذنوب ومن أعظم مبطلات الصيام، فتجب فيها الكفارة المغلظة: عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، كما ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما.
ونهي الصائم عن الصخب وهو الصراخ والصياح والضجيج وإحداث الشغب والضوضاء.
وأما قوله: (( ولا يجهل ) )أي: لا يكن سفيهًا لا في قوله ولا في عمله.
ففيه التحذير من المعاصي الظاهرة والباطنة، فمن صام عن الطعام والشراب والشهوات فلتصم جوارحه عن كل المنكرات والسيئات.