أيها الصائم، من عرف قلبه عرف ربَّه، وكم من جاهل بقلبه ونفسه والله يحول بين المرء وقلبه، يقول ابن مسعود: (هلك من لم يكن له قلبٌ يعرف المعروف وينكر المنكر) . إذًا لا بد في هذا من محاسبةٍ تَفُضُّ تغاليق الغفلة وتوقظ مشاعر الإقبال على الله في القلب واللسان والجوارح جميعًا. من لم يظفر بذلك فحياته كلها ـ والله ـ هموم في هموم وأفكارٌ وغموم وآلامٌ وحسرات.
أيها الأخ الصائم، وأيتها الأخت الصائمة، إن في القلب فاقةً وحاجةً لا يسدها إلا الإقبال على الله ومحبته والإنابة إليه، ولا يلمّ شعثها إلا حفظ الجوارح واجتناب المحرمات واتقاء الشبهات. وإن معرفة القلب من أعظم مطلوبات الدين ومن أظهر المعالم في طريق الصالحين؛ معرفة تستوجب اليقظة لخلجات القلب وخفقاته وحركاته ولفتاته، والحذر من كل هاجس، والاحتياط من المزالق والهواجس، والتعلق الدائم بالله فهو مقلب القلوب والأبصار، جاء في الخبر عند مسلم رحمه الله من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل كقلب واحد يصرفه حيث يشاء ) )، ثم قال رسول الله: (( اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ) ).