فهرس الكتاب
فحاسبوا أنفسكم رحمكم الله، وفتشوا في قلوبكم، وعليكم بالاهتمام بأعمال القلوب. كثير من الناس يهتم بالأعمال الظاهرة وهذا أمر حسن ومطلوب، ولكن هؤلاء يغفلون عن أصل هذه الأعمال ومادتها وهي الأعمال القلبية، فهذه الأعمال هي الأصل وهي الأهم. (( إن الله لا ينظر إلى أعمالكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ) )، (( ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ) ).
ومن ثم فتأمل معي ـ رعاك الله ـ هذا الحديث العظيم، والذي من خلاله نعرف أهمية أعمال القلوب، أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: كنا جلوسًا عند رسول الله فقال: (( يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة ) )، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه بيده الشمال، فلما كان من الغد قال النبي مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل حالة، فلما قام النبي تبعه عبد الله بن عمرو ـ أي: تبع ذلك الرجل ـ فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي، قال: نعم. قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا تعار من الليل ذكر الله عز وجل وكبر حتى نام لصلاة الفجر. قال عبد الله: فلما مضت الثلاث الليالي وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله، لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر، ولكن سمعت رسول الله يقول ثلاث مرات: (( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ) )، فطلعت أنت، فأردت أن آوي إليك فأنظر عملك فأقتدي بك، فلم أرك عملت ثمة عملا، فما الذي بلغك ما قال رسول الله ؟! قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا ولا حسدًا على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك.