فهرس الكتاب
عباد الله، إن رمضان شهر واحد سريع المرور، وموسم قصير خاطف العبور، بينما الناس يتباشرون بدخوله وإدراكهم إياه وإذا هم يخلطون فرحة العيد بالبكاء على فقده ورحيله عنهم، وانظروا ـ رحمكم الله ـ واعتبروا كيف صمنا منه أحد عشر يومًا ونحن في الثاني عشر، وكأنما هي إحدى عشرة ساعة أو اثنتي عشرة، ذهب الظمأ والجوع والتعب، وخلفنا الجهد وراءنا والنصب، وبقي الأجر والثواب، وعظمت اللذة لمن أجاد وأحسن، وسُجّل الذنب واشتدت الحسرة على من قَصَّر وأساء.
وإذا كان الأمر كذلك ـ أيها المسلمون ـ فلماذا نخسر رمضان؟! لماذا يمر علينا ولا نتزود منه بالتقوى؟! لماذا يدخل ويخرج وكأن شيئًا لم يحدث؟! ألم نعلم فضائله ونعرف مزاياه؟! ألم نعلم أنه شهر التوبة والمغفرة ومحو السيئات؟! ألم نعلم أنه شهر العتق من النيران وموسم الخيرات؟! ألم نعلم أن أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار؟! ألم نعلم أن فيه ليلة هي خير من ألف شهر من حُرِم خيرها فقد حُرِم؟! فما بالنا ترغم منا الأنوف ونخسر ولا نستفيد؟! ما بالنا نُصِرّ على الإضاعة والتقصير والتفريط؟! إن لذلك أسبابًا نحن الذين تعلقنا بها وأخذنا بعُقَدِها، حين اتخذنا الشيطان وأعوانه أولياء، وغفلنا عن أسباب الربح والرحمة، فحُقَّ على الخاسر منا قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا [النساء:119] .
إن كثيرًا من الخاسرين ـ أيها الإخوة ـ إنما خسروا لأنهم غفلوا عن النية الصالحة، ولم يحتسبوا الأجر، صاموا وقاموا تقليدًا للناس ومجاراة للآخرين، تركوا الطعام والشراب وبعض الملذات، ولكنهم لم يبتعدوا عن المعاصي والشهوات، رمضان عليهم كالضيف الثقيل عند من لا يحبه، ساعته أطول الساعات، ولحظته أبطأ اللحظات.