إنه لا ينال ثمرة الصوم ويحظى بفضائله إلا من جعل صيامه لله سبحانه وأقبل عليه بمحبة ورغبة، أما من يرى الصيام عبئًا ثقيلًا، ويشغل نهاره بالكسل وتوافه الأمور لكي تنقضي ساعات الصيام، وتراه يحسب الأيام حتى يتخلص من شهر رمضان ليعود إلى إطلاق العنان لشهوته، فليسله من صيامه إلا الجوع والعطش، ولا حظ له فيما وعد الله به عباده الصائمين من مغفرة الذنوب، ولن يكون صومه مدرسة تدريبية لمجاهدة النفس وتزكيتها؛ لأنه لم يتغير عنده إلا مواعيد الطعام، بل إن شغله الشاغل في أيام رمضان التفكير في ألوان المأكولات وأصناف الأطعمة والحلويات التي يملأ بها مائدة الإفطار ويُتخم بها معدته حتى لا يقوي على القيام، وكأنه كان أسيرًا فانفك قيده في لحظة الإفطار!!
الشرط الثاني: الابتعاد عن المعاصي:
الصوم الذي أمر الله به هو ما يمنع النفس عن المعاصي ويحجزها عن تسلط الهوى والشهوات، أما إذا كان الصائم لا يتورع عن حرام ولا يبتعد عن منكر، ويقارف المعاصي ويصر عليها ولا يبالي بحرمة شهر رمضان، ولم يغير الصيام شيئًا من سلوكه وأفعاله، فإن هذا الصيام لا يعدو أن يكون تقليدًا وعادة، ولا يُرجى له أن يثمر أو يحقق فوائده وأهدافه، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنهقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"رواه البخاري.
وقد نقل الحافظ في الفتح عن ابن بطال قوله في معنى هذا الحديث: ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه. كما نقل عن الإمام البيضاوي قوله: ليس المراد من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة.
ولا شك أن الذي يمنع نفسه عن الطعام والشراب وهي من المباحات في غير أوقات الصيام حريَّ به أن يمنع نفسه عن المحرمات التي لا ينال منها إلا الأذى والضرر.