أيها الإخوة الكرام، جدَّ واجتهد في رمضان أقوام، وسارع وسابق أناس، فلقد توالت الختمات، وعظُمت الصدقات، وحسنت الصلوات، وصلحت القلوب والأرواح، ثم عقِب رمضان وهنت الهمم وفترت العزائم!
إنّ من المؤسف أن يحصل عقب رمضان لكثير من المسلمين ضعف في الخير وشغل عن الطاعة وانصراف للَّعب والراحة، فلقد وهنت الهمم وفترت العزائم وقلّ رُوّاد المساجد.
يخطئ كثيرون ويجهلون عندما يظنون أن السباق في الطاعة خاص برمضان، فيحصل لهم من العمل والجد والعطاء ما تتمناه الرغبات، فإذا رحل رمضان رحلت طاعاتهم وخيراتهم، وركنوا إلى ملاذهم وشهواتهم، وهذا أمر خطير ينبئ عن جهالة وسفاهة من أولئك القوم، فلقد طمسوا خيرهم وظلموا أنفسهم، والله المستعان.
ليعلم ذوو الألباب أن الطاعات والمسارعة فيها ليست مقصورة على رمضان ومواسم الخير فحسب، بل عامة لجميع حياة العبد، وإنما كانت تلك منحًا إلهية وهبات ربانية امتن الله بها على عباده ليستكثروا من الخيرات، وليتداركوا بعض ما فاتهم وحصل التقصير فيه.
وإنه لمن الجهل بمكان أن يجتهد بعض الناس في رمضان، فيرى طائعًا صالحًا مبادرًا إلى الطاعات، ثم إذا انقضى رمضان شوهد مقصرا مفرطا، كدأبه قبل رمضان، فهذا بلا ريب أنه غاشٌ لنفسه وماحٍ لحسناته وخيراته.
إن ذلك المسلك ليس من سمة العقلاء ولا نهج الأبرار الصلحاء. ذكر ابن رجب رحمه الله وغيره في لطائف المعارف أن قوما من السلف باعوا جارية، فلما قرُب شهر رمضان رأتهم يتأهبون ويستعدون له بالأطعمة وغيرها، فسألتهم فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان؟! لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان، ردوني عليهم. وباع الحسن بن صالح رحمه الله جارية له، فلما انتصف الليل قامت فنادتهم: يا أهل الدار، الصلاة الصلاة، قالوا: طلع الفجر؟! قالت: وأنتم لا تصلّون إلا المكتوبة؟! ثم جاءت إلى الحسن فقالت: بعتني على قوم سوء لا يصلون إلا المكتوبة! ردَّني ردَّني.