فهرس الكتاب
الحمد لله المستحق للعبادة على الدوام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك رب الشهور والأعوام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله جاءه الوحي من ربه: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وعلى آله وصحابته الغر الميامين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد: إخوة الإسلام، قد عودكم شهر رمضان على الاقتصاد في الطعام والشراب، ومدرسة الصوم علمتكم الإقلال من الكلام الفارغ معوضين عن ذلك بكثرة الذكر وتلاوة القرآن، كما كان من فضل رمضان التخلّص من مفسدات القلب وهي خمسة أشياء:
الأول: كثرة الاختلاط بالسيئ من الناس، فإن كثرة الاختلاط بهم تورثه همًا وغمًا وتعينه على الشر إلا من حافظ على الرفقة الصالحة.
الثاني: التمني، فإن التمني يجبر الإنسان على الأحلام، ويُقعده عن العمل النافع الجاد المثمر الذي يرضي ربه ومن خلاله يكسب رزقه.
الثالث: التعلق بغير الله، فإن من تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به وخذله، ومن وكله الله إلى غيره فقد ضاع.
الرابع من أسباب مفسدات القلب: كثرة الطعام، والمفسد له نوعان أحدهما: ما يفسده لعينه كالمحرمات كالميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها، والثاني: ما يفسده بقدره وتعدي حدّه كالإسراف في الحلال حتى الشبع، فإن البِطنة تثقله عن الطاعات، وتزيد عليه الشهوة، وتوسع عليه مجاري الشيطان، والرسول يقول: (( ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، فحسب ابن آدم لقيماتٍ يُقمْنَ صلبه، فإن كان لا بد فاعلًا فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنفسه ) ).
الخامس: كثرة النوم، فإنه ـ كما قال العارفون ـ يميت القلب ويثقل البدن ويضيّع الوقت ويورث كثرة الغفلة والكسل، ومنه المكروه جدًا ومنه الضار، فالنوم أول الليل أنفع وأحسن من آخره، والنوم وسط النهار أفضل من طرفيه.