فهرس الكتاب
وإن العجب كل العجب أننا ما إن نخرج من شهر رمضان حتى نكون كالذي ضمن القبول، فلا يفكّر أحد في عمله، ولا يراجعه، ولا يتأمل مدى إخلاصه فيه، ولا يلحّ على ربه أن يتقبل منه، حتى ذلك الدعاء الذي كنا نقوله كل ليلة في رمضان:"ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العلم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم"، حتى هذا الدعاء لم يعد له نصيب وحظ، وشتان ما بيننا وبين أسلافنا في هذا، فلقد كانوا يدعون الله ستة أشهر بعد رمضان أن يَتقبل منهم.
رَأى وهيب بن الورد أقوامًا يضحكون في يوم عيد فقال:"إن كان هؤلاء تُقبّل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يُتقبّل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين".
أيها المسلمون، إنها ليست دعوة للقنوط واليأس، ولكنها دعوة إلى محاسبة النفس؛ لأن محاسبة النفس على العمل والخوف من عدم قبوله من صفات المؤمنين وسمات أهل الصلاح المتقين، ومما ينبغي أن يكون في مثل هذه الأيام.
أيها المسلمون، ولئن كان قبول العمل من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، فإن لكل أمر علامة، ولكل تجارة أمارة، ولقبول العمل علامات تدل عليه، وإن من علامة قبول العمل الصالح الاستمرار عليه والمداومة على أدائه، فقد قال بعض السلف: ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وفي الحديث: (( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ) )، وعن علقمة قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: هل كان رسول الله يختص من الأيام شيئًا؟ قالت: لا، كان عمله دِيمَة، وأيكم يطيق ما كان رسول الله يطيق. رواه البخاري.