فهرس الكتاب
أيها المسلمون، أما إنه يقبح بالمسلم أن يبني في رمضان صرح إيمانه ويجمله ويزيّنه ثم إذا انقضى الشهر عاد فهدم ما بنى وأفسد ما شيّد، وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا [النحل:92] ، فالله ينهانا أن نكون كهذه المرأة الحمقاء التي تنسج غزلها حتى إذا أبدعته وأحكمته نقضته، ثم عادت تغزل من جديد. وهذا وللأسف حال أكثرنا في كل عام، يعمل ويعمل ويعمل في رمضان، حتى إذا بلغ من الخير مبلغًا وبدأ يحسّ طعم العبادة ولذّة الخشوع هدم كل ذلك بعد رمضان، فإذا جاء رمضان آخر شرع يبني من جديد، فلا يكاد يبلغ منزله الأول حتى ينتكس.
والتأمل في هذا كله يقتضي من المؤمن أن يستمر على ما كان عليه من طاعة في رمضان، وأن يواصل كفّه عما كفّ عنه من معاصي في هذا الشهر الكريم، وما أقبح الحَوْر بعد الكَوْر، وما أقبح أن يتدنّس بذنوب المعاصي من قد تطهّر منها، وما أشنع أن يرجع التائبون إلى حمأة الرذيلة، وأن يتلطّخوا بأوحال المعصية بعد أن توضّؤوا بنور الطاعة.
يا رجال التوبة، لا ترجعوا إلى ارتضاع ثدي الهوى من بعد الفطام، فالرضاع يصلح للأطفال لا للرجال، ولكن لا بد من الصبر على مرارة الفطام، فإن صبرتم تعوّضتم عن لذة الهوى بحلاوة الإيمان في القلوب، ومن ترك شيئًا لله لم يجد فقده.
يا عبد الله، لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل. يا من وفّى في رمضان على أحسن حال، لا تتغير بعده في شوال. يا من أصلح في رمضان وعزم على الزلل في شوال، ويحك فإن ربّ الشهرين واحد.
اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
الخطبة الثانية