وإذا كان المسلمون قد احتفلوا ببهجة العيد وسروره فلبسوا أجمل الثياب وتطيّبوا بأطيب الطيب وخرجوا مكبّرين مهلّلين فوزّعوا الصدقات، وجَدّدوا أواصر الحب بين الأصدقاء والتراحم بين الأقرباء، ونزعوا الضغائن من القلوب فصَفَت بعد تكُّدر، واشتركوا جميعًا ـ شرقًا وغربًا من مختلف اللغات والأقوام ـ بالفرح والسرور في وقتٍ واحد. ولكن، هل هذه هي كل معاني العيد؟ وهل العيد تعاون بين الناس في المدينة الواحدة فقط، وهل هو تجديد للصلة الاجتماعية بين الناس في المنطقة الواحدة؟ وهل هو تذكير أبناء البلد الواحد بحق الضعفاء والعاجزين عليهم؟.
(إنّ له أيضًا بُعدًا أعمق من ذلك، إنه يذكِّر بمصائب وكوارث ونكبات المسلمين في جميع الأقطار. إن الأقصى جريح وأطفال الانتفاضة قد حُرِموا لَذَّة العيد، وأفغانستان تقاتل الصليبية الرعناء والعراق يدافع عن ثروات المسلمين، والشيشان يقاتل الإلحاد الأحمر، والبلاد العربية تقيم الحكم الإسلامي بالقول والحكم الغربي الوضعي بالتنفيذ. فهل كان لنكبات إخواننا من تفكيرنا وأفعالنا وأموالنا في رمضان والعيد نصيب؟ هل اقتصدنا في لهونا لنوفّر من ذلك ما تحتاج إليه أمّتنا في صراعها الدامي المرير؟ هل تحدّثنا عن نكبات إخواننا وجهادهم بما يقوِّي العزائم ويبسط الأيدي بالبذل والعطاء والفداء؟ هل اقتصدنا في ضحكنا تعبيرًا عن مبلغ عنايتنا بقضايانا، واهتمامنا بما يجري في وطننا الكبير من أحداث ونكبات؟.
والآن، ماذا بعد رمضان والعيد؟.
لئن زكت نفوسُنا وحلّقت في العلوّ، وقمنا بواجب الأخوة الحقّة في رمضان، فإنه ينبغي الاستمرار على هذه الحالة الحسنة الفاضلة التي اكتسبناها في هذا الشهر الكريم الذي كان من أبرز أهدافه إعدادُ النفس والجسم للعمل الدائب المستمر.