ولقَد كان من نِعَم الله السابِغَة ومِنَنه الوافرة وآلائِه الجليلةِ أن هيَّأ لعبادِه من فرَصِ العمُر ومواسم الخيرِ وميادين البرّ ما يبلغون به هذا المرادَ، وفي الطليعةِ منها هذا الشهرُ المبارَك الذي أظلَّتِ الأمةَ أيامُه ولياليه، ولئن كانتِ القوّة للمسلم ضرورةً وزادًا لا غناءَ له عنه ورصيدًا لا مناصَ له منه ـ لأنّه عونٌ على الحقّ وسَبيلٌ إلى التَّمكين وطريقٌ إلى الظّفَر وبَابٌ إلى رضوانِ الله وسَبَبٌ لمحبَّتِه كمَا أخبر بذلِك رسول الله في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحِه عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّه قال: قال رسول الله: (( المؤمِنُ القوي خيرٌ وأحبّ إلى الله منَ المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير ) ) (1) [1] ـ فإنَّ في فرصة الصيام في هذَا الشهرِ المبارَك مجالًا رَحبًا ومِضمَارًا واسعًا لتقويَةِ الإرادة في نفس المسلِم الصائِم؛ فالإمساكُ بالنهار عن الأكلِ والشرب وسائرِ المفطِّرات وما يصحَب ذلك من صبرٍ على رهَق الحِرمان ومرارةِ الفَقدِ لما اعتَادَه المرء منَ المشتَهَيات وكذلك إحياءُ الليل بالقِيام في صَبرٍ على نصبِك يقتضِي أن ينشأَ في إرادة المسلِمِ شعورٌ بالمقاوَمَة لكلِّ إحساسٍ بالضّعف ولكلِّ رَغبةٍ في الممنوعِ المحرَّم خلالَ النهار مَهمَا كثُرتِ المغرِيات ومهما تبَذلَّت الشهوات، فإذا اجتازَ الصائمُ الامتحانَ ونجح في اكتسابِ زادِه من التقوى كان ذلك عونًا له على استمرارِ المقاومةِ وتقويةً لإرادَته في مواجهة الشهواتِ والصمودِ أمام التحدِّيات، فكلُّ موقفٍ يواجه فيه نزوةً عابرة أو رَغبَة ملِحّة أو بلاءً عظيمًا هو في الواقِعِ امتحانٌ متجدِّد لإرادتِه، يعظُم فيه نفعُ التقوى التي تحقَّقت بالصيام، فهو إذًا تصويبٌ في المسلَك وتصحيح في المنهَج وتغييرٌ في المسَار، فمن ذلِّ الخطيئة إلى عِزِّ الطاعة، ومن مهابِطِ العجز والكسَل إلى ذُرى الجدِّ والعَزم والنّشاط، ومِن أدران العوائدِ المقبوحَة والسّنَن