فهرس الكتاب
فرمضان إذًا صفحات بيضاء وأرض للحرث والبذر، إن شئت ـ أيها المسلم ـ جعلتها جنة وارفة، وإن شئت جعلتها يبابا وصحراء قاحلة، إذًا فلا تتعجب إذا وجدت غير ما تحبّ وتشتهي، فهل تجازى إلا بما عملت وقدمت؟! يقول تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، ويقول عز وجل: وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت: 46] ، وفي الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم يقول المولى عز وجل: (( يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) ).
انقضى شهر رمضان وانقضاؤه لا يعني الراحة والدعة، ولا يعني الرضا عما قدمنا، بل انقضاؤه يتطلب إتباعه بالاستغفار حتى يقبله الله سبحانه، وحتى نتدارك ما وقع في صيامنا من نقص أو خلل أو تقصير، والاستغفار بعد الطاعات دأب الأنبياء والصالحين، فمن هديهم أنهم يستغفرون الله سبحانه بعد أدائهم للطاعات، أما نحن فإننا نظنّ أن العبد أبعد ما يكون عن الاستغفار وهو يقدّم طاعة، إنما يستغفر المذنب، هذا هو فهمنا، أما فهم من صفَت سرائرهم وقوي إيمانهم واستنارت بصائرهم فغير ذلك؛ لأنهم يحسون بالنقص والتقصير مهما قدموا، أولئك الذين قال الله عنهم: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أي: يؤدّون الطاعات والقربات وهم خائفون أن لا تقبل منهم.