فهرس الكتاب

الصفحة 2623 من 2991

عباد الله، إن من بعض أسرار فرض الصيام علينا أن نتحرّر من سلطان الغريزة، ونتغلب على نزعة الشهوات، فننطلق من سجن الجسد حتى نسمو بروحنا البشرية إلى حيث أراد الله جل وعلا لنا رحمة ومغفرة واستجابة دعاء ومضاعفة الحسنات ومحو السيئات.

ومن أسرار الصوم تقوية الإرادة بالصبر، فالصائم يجوع وأمامه أشهى الغذاء، ويعطش وبين يديه بارد الشراب والماء، ويعفّ وبجانبه زوجته بلا رقيب عليه إلا الله تعالى، وهكذا يكون إعداد المؤمن الصابر المرابط المجاهد الذي يتحمل الشظف والجوع والحرمان المؤقت لنيل المثوبة والأجر والغفران.

ومن حكم الصوم أيضًا أنه يعرف المرء مقدار نعم الله تعالى عليه، لأن الإنسان إذا تكررت عليه النعم قلّ شعوره بها، ولذلك قيل: وبضدها تتميز الأشياء، وبمعرفة هذه النعم نشعر بجوع الجائعين وبؤس البائسين الذين لا يجدون ما يسدون به جوعة بطون صغارهم.

وفي الصوم ـ قبل كل هذا ـ تحقيق كمال العبودية لرب الخلق أجمعين وحده لا شريك له، وهذه الحكمة السامية عامل مشترك في كل العبادات، وهي الهدف الأسمى من خلق الإنسان كما قال الله جل ذكره: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] .

ومظهر العبودية في الصوم يظهر جليًا باستسلام المرء لأمر الله، فهو يجوع ويظمأ ويمتنع عن زوجته والأسباب متوفرة أمامه لا يمنعه منها إلا حب الله والرغبة في رضاه، ولهذا نسب الله الصيام إليه، وتولى جزاء الصائمين جزاء يفوق العد والحصر، إذ لا يعلم قدر جزاء الصوم إلا الذي فرضه كما يروي رسول الله عن ربه تعالى، فقال في الحديث القدسي: (( كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به ) ) (1) [1] ، وفي رواية أخرى (( والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، فالصيام لي، وأنا أجزي به ) ) (2) [2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت