فهرس الكتاب
وقد أدَّبَ القرآنُ المسلمين أن يقولوا في أسفارِهم: (سُبحانَ الذي سخَّرَ لنا هذا وما كُنّا له مُقرِنِين وإنّا إلى ربِّنا لمنقلبون) [8] قال ابن كثير:"أي لصائرُون إليه بعد مماتِنا، وإليه سَيْرُنا الأكبر؛ وهذا من باب التنبيهِ بسَيْرِ الدنيا على سَيْرِ الآخرة، كما نبَّهَ بالزاد الدنيوي على الزاد الأُخروي في قولِهِ - تعالى: (وتزوَّدوا فإنَّ خيرَ الزادِ التقوى) ، وباللباس الدنيوي على الأخروي في قولِهِ - تعالى: (وريشًا ولباسُ التقوى ذلك خيرٌ) ". [9]
ولقد صدقَ التهامي حين قال:
حُكْمُ المَنِيَّةِ في البريّةِ جارِي ** ما هذهِ الدنيا بذاتِ قَرارِ!
فاقضُوا مَآرِبَكُمْ عُجالى إنَّما ** أعمارُكم سَفَرٌ من الأسْفارِ!
"فإنها دارُ نفادٍ لا محلُّ إخلاد، ومَرْكَبُ عُبُورٍ لا منزلُ حُبُور، ومَشْرَعُ انفِصامٍ لا مَوْطِنُ دوامٍ؛ فلهذا كان الأيقاظُ من أهلِها هم العُبّاد، وأعقلُ الناسِ فيها هم الزُّهّاد"! [10]
فمهما طال السفرُ، وبَعُدتْ شُّقَّةُ العُمُر! فلا بُدَّ للرَّكْبِ الظاعنِينَ من بُلُوغِ مَنازلِهِم ولقاءِ أهلِهم (كأنْ لم يلبثوا إلا ساعةً مِنَ النهار يتعارفُون بينَهم) ! [11]
لم يَدْرِ مَنْ ظَنَّ الحياةَ إقامةً ** أنّ الحياةَ تنقُّلٌ وترحُّلُ!
في كُلِّ يومٍ يقطَع الإنسانُ مِن ** دُنياهُ مَرْحَلَةً ويَدْنُو المَنْهَلُ!
لا تأسَفَنَّ لفُرقةِ الدنيا فما ** تَلْقَاهُ في أُخْراكَ عنها يَشْغَلُ!
[2] السفرُ في القرآن: