ومرورُ الأيّام يذكِّر بقربِ الرحيل، واحذَر الاغترارَ بالسّلامة والإمهالِ ومتابعة سوابغ المُنى والآمال، فالأيّام تُطوى والأعمار تفنَى، فاستلِفِ الزمن وغالِب الهوى، واجعَل لك في بقيّة الليالي مدَّخرًا فإنّها أنفس الذّخر، وابكِ على خطيئتِك واندَم على تفريطِك، واغتنِم آخرَ ساعاتِه بالدّعاء، ففي رمضانَ كنوزٌ غالية، وسلِ الكريمَ فخزائِنه ملأى ويداه سحَّاء الليل والنّهار، واستنزِل بركةَ المالِ بالصدقة، وحصِّن مالَك بالزكاة، وكن للقرآن تاليًا، وودِّع شهرَك بكثرةِ الإنابة والاستغفار وقيامٍ لله مخلصٍ في دُجى الأسحار، وإن استطعتَ أن لا يسبقَك إلى الله في بقيّة شهرك أحدٌ فافعل، فلحظاتُ رمضانَ الأخيرة نفيسة، ولعلّك لا تدرِك غيرَه، وافتَح صفحةً مشرقة مع مولاك، واسدِل الستارَ على ماضٍ نسيتَه وأحصاه الله عليك، وعاهِد نفسَك في هذا الشّهر بدوامِ المحافظةِ على الصّلوات الخمس في بيوتِ الله وبرِّ الوالدين وصلةِ الأرحام وتطهير مالِك عن المحرّمات والشّبهات وحفظِ لسانِك عن الكذب والغيبة وتطهير القلب من الحسَد والبغضاء وغضّ البصر عن المحرّمات والقيامِ بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستدرك هفواتِ الفوات، فالترحُّل من الدنيا قد دنا، والتحوّل منها قد أزِف، والرشيد من وقف مع نفسه وقفةَ حساب وعِتاب، يصحّح مسيرتَها ويتدارك زلّتها، يقول ابن حبّان رحمه الله:"أفضل ذوي العقولِ منزلةً أدومُهم لنفسه محاسبة، والسعيدُ من استودع صالحًا من عملِه، والشقيّ من شهِدت عليه جوارحه بقبيح زَلَله".
والطاعة ليس لها زمنٌ محدود، ولا للعبادةِ أجل معدود، ويجب أن تسير النفوسُ على نهج الهدى والرّشاد بعد رمضان، فعبادة ربِّ العالمين ليست مقصورةً على رمضان، وليس للعبد منتهى من العبادةِ دون الموت، وبئس القوم لا يعرفون الله إلاّ في رمضان.