فهرس الكتاب

الصفحة 530 من 2991

وبعض الناس اللذين لا يعرفون هذا الخير يرون رمضان كأنه عقوبة إجبارية وكأنه محنة ومشقة فريضة عليهم فينتظرون مغرب كل يوم بفارق الصبر ليبطلوا كل هذه الآثار الكريمة فيملئون بطونهم بالطعام والشراب إلى حد التخمة وإذا جاء النهار قتلوه نومًا وكسلًا وأفنوا بذلك سنة القيام.

وكذلك يجتمعون في مجالس يغتابون فيها أو يتحدثون فيها بشئون الدنيا أو ينصرفون أو كذا ، وكذلك يكثرون بالاختلاط بالدنيا وأسباب الدنيا في بعض أحوالهم أكثر من غيرها ، فإذا بهم يتفننون بالشراء من الأسواق وإذا بهم يفرغون كثيرًا من الأوقات للذهاب هنا وهناك وللانتقال بين الأسواق ولا يحلوا لهم أن يشتروا أشياءهم إلا في هذا الشهر ، ولا يحلوا لهم أن يقضوا بعض أمورهم إلا في هذا الشهر ، فحينئذ أمثال هؤلاء لا ينتفعون بالشهر ولا يجدون لذته ولا يجدون أثر العبادة فيكون الأمر عليهم شاقًا ، فإذا صلى الإمام في التراويح فقرأ بضع آيات شعروا بأنه قد أثقل عليهم وطلبوا منه التخفيف وما عرفوا ما كان من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وليس كذلك له - عليه الصلاة والسلام - بل في أصحابه وليس في أصحابه بل فيمن جاء بعدهم تلك الأمثلة التي حينما نسردها يظنها بعض الناس خيالًا وما هي بخيال ، ويظنونها محالًا وما هي بمحال .

ولكن الذي يجد لذة العبادة ويجد راحتها لا تشق عليه مهما طالت ومهما كانت متعبة مرهقة ؛ لأن قلبه مطمئن بها ولأن نفسه مقبلة عليها ولأن صدره منشرح لها ولأنه يقبل إليها إقبال المحب إلى حبيبه وإقبال العطشان الذي بلغ به الظمأ إقباله على الماء فهل تراه يستصعب المسافة أو يستثقل الجهد إنه يقبل لأنه يروي ظمأه لأنه يبلل عروقه لأنه يقوي نفسه لأنه يجد كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: ( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) .

أي كمال الطمأنينة والسكينة والراحة والأنس إنما هو في العبادة إذا أتى بها على وجهها ، ويقول عليه الصلاة والسلام: ( أرحنا بها يا بلال ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت