فهرس الكتاب

الصفحة 672 من 2991

فيا عباد الله، فإن رمضان شهر البر والصلة والصدقة، والأنفس الأبية هي التي تعطف على الفقراء، وتبذل لهم شيئًا من المعروف، فإن من معاني الصيام تذكر حالة البائسين والمعوزين والعطف عليهم ومواساتهم بالمال والإحسان. إن القلوب التي لا يُشعِرها رمضان بحال إخوانها الفقراء قلوب يصدق فيها وصف المنفلوطي حين قال في كتابه النظرات:"فتشت عن الفضيلة في قصور الأغنياء فرأيت الغني إما شحيحًا أو متلافًا، أما الأول ـ يعني الشحيح ـ فلو كان جارًا لبيت فاطمة رضي الله عنها وسمع في جوف الليل أنينها وأنين ولديها من الجوع ما مد أصبعيه إلى أذنيه؛ ثقة منه أن قلبه المتحجّر لا تنفذه أشعة الرحمة، ولا تمر بين طياته نسمات الإحسان". يقول رحمه الله:"لو أعطى الغني الفقير ما فضل عن حاجته من الطعام ما شكا واحد منهما سُقمًا ولا ألمًا، لقد كان جديرًا به أن يتناول من الطعام ما يشبع جوعته، ويطفئ غلته، ولكنه كان محبًا لنفسه مغاليًا بها، فضم إلى مائدته ما اختلسه من صحفة الفقير، فعاقبه الله على قسوته بالبطنة"، إلى أن قال رحمه الله تعالى:"لا أستطيع أن أتصوّر أن الإنسان إنسان حتى أراه محسنًا؛ لأني لا أعتمد فصلًا صحيحًا بين الإنسان والحيوان إلا الإحسان، وإني أرى الناس ثلاثة: رجل يحسن إلى غيره ليتخذ إحسانه إليه سبيلًا إلى الإحسان إلى نفسه، وهذا هو المستبد الجبار الذي لا يفهم من الإحسان إلا أنه يستعبد الإنسان، ورجل يُحسن إلى نفسه ولا يُحسن إلى غيره، وهو الشره المتكالب الذي لو علم أن الدم السائل يستحيل إلى ذهب جامد لذبح في سبيله الناس جميعًا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت