فهرس الكتاب
إن المحسن منكم ـ أيها المسلمون ـ من يسعى في رمضان وغير رمضان لرحمة يتيم يترقرق الدمع في عينيه أن لا يجد من يواسيه لفقد أبيه، أو لرحمة أسرة فقدت معيلها وضاعت خيراتها، أو رحمة كسير ومريض أقعده المرض وأجبره على نزف دموع الفقر والحاجة، أو رحمة أخ غريب بينكم نأت به الديار عن أهله وذويه، ولئن بت آمنًا في بيتك معافى في بدنك بين أهلك وأسرتك، فإنما يعيش هو وحيدًا بلا أنيس، وفقيرًا بلا معين، يتابع الإعلام فيرى صورة يهودي يهدّم بيته ومأوى أسرته، أو يسمع صوت قنبلة أطاحت ببعض أهله أشلاء مفرقة، فإن لم نكن هؤلاء، فما أجدر وصف المنفلوطي بنا.
وأخيرًا: رحل النصف الأول، ولئن كنا فرطنا فلا ينفع ذواتنا بكاء ولا عويل، وما بقي أكثر مما فات، فلنُرِ الله من أنفسنا خيرًا، فالله الله أن يتكرر شريط التهاون، وأن تستمر دواعي الكسل، فلقيا الشهر غير مؤكدة، ورحيل الإنسان مُنتظر، والخسارة مهما كانت بسيطة ضعيفة فهي في ميزان الرجال قبيحة كبيرة.
رحل النصف الأول وبين صفوفكم الصائم العابد الباذل المنفق الجواد نقي السريرة طيب المعشر، فهنيئًا له رحلة العشر بخيرات كهذه. ورحل النصف الأول وبين صفوفكم صائم عن الطعام والشراب، يبيت ليله يتسلى على أعراض المسلمين، وتقامر عينه شهوة محرمة يرصدها في ليل رمضان، يده امتدت إلى عامل فأكلت ماله، أو حفنة ربا فاجتالتها دون نظر إلى عاقبة أو تأمل في آخرة، رحلت وبين صفوفكم من فاتته صلوات وجماعات، وقد آثر النوم والراحة على كسب الطاعة والعبادة. رحل النصف الأول وبين صفوفكم بخيل شحيح، أسود السريرة، سيئ المعشر، دخيل النية، فأحسن الله عزاء هؤلاء جميعًا في عشرهم الأول، وجبرهم في مصيبتهم، وأحسن الله لهم استقبال البقية، وجعلهم فيما يستقبلون خيرًا مما ودعوا، والله المسؤول.