فهرس الكتاب
أيها الإخوة المؤمنون، لئن كان فعل السيئة قبيحًا فإنه يعظم قبحه وتشتد شناعته وبشاعته إذا جاء بعد فعل الحسنة، فلئن كانت الحسنات يذهبن السيئات، فان السيئات قد يبطلن صالح الأعمال: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنّ وَالاْذَى [البقرة:264] ، فحذار أيها الإخوة، حذار يا من سمت نفوسهم في رمضان إلى درجات الصالحين، ونعمت بلذة المناجاة والانضمام في سلك الطائعين، أن تهدموا ما بنيتم، وتبددوا ما جمعتم، حذار حذار تصدئوا قلوبًا ونفوسًا خلصت لله ونقيت وصفيت من لوثة العصيان بإعادتها فما أقبح النكوص على الأعقاب والالتفات عن الله بعد إن أقبلت عليه تائبًا من ذنبك راغبًا في رحمته خائفًا من نقمته، حذار بعد أن كنت في عداد الطائعين وحزب الرحمن وأُهّلت للباس العفو والغفران أن تخلعه بالمعصية فتكون من حزب الشيطان، قال تعالى ـ والعبرة بعموم الألفاظ ـ: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا [النحل:92] ، وقال في المرابين: فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275] ، قيل لبشر الحافي: إن قومًا يتعبدون في رمضان فإذا انسلخ تركوا. قال: بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان. وقال الحسن: لا يكون لعمل المؤمن أجل دون الموت، وقرأ: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] ، وقال عليه الصلاة والسلام: (( أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل ) )رواه مسلم، وقال جل من قائل: إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف:13] .