أيها المسلمون، تشريعاتُ الإسلام تتضمَّن أسرارًا لا تتناهى ومقاصد عاليةً لا تبارى، وإنَّ من فقه مقاصدِ الصوم كونَه وسيلةً عظمى لبناء صفة التقوى في وجدان المسلم بأوسع معانيها وأدقِّ صورها، ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] .
فهل يا ترى نأخذُ من رمضان مدرسةً نستلهم منها شدَّة العزم وقوَّة الإرادة على كل خير؟! تنظيمًا للسلوك، وتقويمًا للنفوس، وتعديلًا للغرائز، وتهذيبًا للظواهر والبواطن، وصفاءً ونقاءً للأعمال والضمائر، تمسّكًا بالخيرات والفضائل، وتحلِّيًا بالمحاسن والمكارم. حينئذ يخرج المسلم من صومه بصفحة مشرِقة بيضاء، ناصعةٍ في حياته، مفعمَة بفضائل الأعمال ومحاسن الأفعال ومكارم الخصال. غدا الصوم لنفسه حمىً أمينًا وحصنًا حصينًا من الذنوب والآثام، فصفت روحه، ورقَّ قلبه، وصلحت نفسه، وتهذَّبت أخلاقه.
إخوة الإسلام، في استقبال رمضانَ وتوديعه فرصٌ للتأمل ووقفات للنظر، فعسى الأمة الإسلامية أن تدرك وضعَها، وتسعى في الإصلاح، وتقوِّي ما ضعف، وتعالج ما اختلَّ. فالصوم ورمضان فترات رائعة، لو صادفت اعتبارًا، ولاقت استغلالًا، مع صدقٍ في النوايا والمقاصد، وصوابٍ في الاتجاه والمناهج.
أيها المسلمون، ما أحوجَ الأمةَ في أيام محنها وشدائدها وأزمان ضعفها وذلّها إلى وقفات عندما تمرّ بها مناسبةٌ كرمضان، لتستلهم العبرَ والعظات، لتجدِّد العزم على المجاهدة الحقة للشيطان، وتحقِّق المسيرةَ الصحيحة للسير على الصراط المستقيم، ليعمّ بها التوجه على محاربة كلّ بغي وفساد بشتى صوره واختلاف أشكاله.