فهرس الكتاب
أيها المسلمون، ومن حق هذه النعم الكثيرة والعظيمة القيام بشكر المنعم، وذلك بمتابعة الإحسان والقيام بإتباع الحسنة بمثلها، فثواب الحسنة الحسنة بعدها. فهنيئا لكم يا من صمتم شهر رمضان ووقفتم عند حدود الله وامتثلتم أوامره، حيث أمركم بالصيام فصمتم، ثم أمركم بالإفطار فأفطرتم. وهنيئا لكم يا من غلبتم في صومكم جانب التسامح والصفح الجميل والعفو والمغفرة لزلات الجاهلين، امتثالا لأمر الله عز وجل وطمعا في الحصول على درجات وأجر المحسنين، فبلغتم مراقي السالكين وارتفعتم إلى درجات المتقين الذين عناهم الله بقوله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 133، 134] .
ومن أفضل الإحسان استحباب إتباع صيام رمضان بصيام الست من شوال، فقد صح عن رسول الله أنه قال: (( من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر ) )أي: كصيام السنة، وذلك لأن الله تعالى يجزي على الحسنة بعشر أمثالها، فيكون صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام الست من شوال يعدل صيام شهرين فتلك السنة كاملة.
ثم في معاودة الصوم بعد رمضان ـ إلى جانب شكر المنعم ـ دليل على شعور المسلم بأن وسائل القرب والطاعة للمولى عز وجل لا تتحدد بزمان، بل هي متصلة برمضان وفي غير رمضان، ولهذا صح عن رسول الله أنه قال: (( أحب العمل إلى الله أدومه ) )، وقال الإمام الحسن البصري رضي الله عنه:"إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلا دون الموت"، ثم قرأ قوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: 99] .