لما ولي يزيد بعث إليه فأكرمه فمدحه:
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الزّهريّ قال حدّثني عمر بن موسى بن عبد العزيز قال:
لمّا ولي يزيد بن عبد الملك بعث إلى الأحوص، فأقدم عليه، فأكرمه وأجازه بثلاثين ألف/ درهم. فلمّا قدم قباء صبّ المال على نطع ودعا جماعة من قومه، وقال: إنّي قد عملت لكم طعاما. فلمّا دخلوا عليه كشف لهم عن ذلك المال، وقال: (أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ)
قال الزّبير: وقال في يزيد بن عبد الملك يمدحه حينئذ بهذه القصيدة:
صرمت حبلك الغداة نوار ... إنّ صرما لكلّ حبل قصار [1]
وهي طويلة، يقول فيها:
من يكن سائلا فإنّ يزيدا ... ملك من عطائه الإكثار
عمّ معروفه فعزّ به الدّي ... ن وذلّت لملكه الكفّار
وأقام الصّراط فابتهج [2] ال ... حقّ منيرا كما أنار النّهار
ومن هذه القصيدة بيتان يغنّى فيهما، وهما:
صوت
بشر لو يدبّ ذرّ عليه ... كان فيه من مشيه آثار
إنّ أروى إذا تذكّر أروى ... قلبه كاد قلبه يستطار
/ غنّت فيه عريب لحنا من الثقيل الأوّل بالبنصر، وذكر ابن المكّي أنه لجدّه يحيى.
بعث يزيد إليه وإلى ابن حزم فأراد أن يكيد عنده لابن حزم فلم يقبل منه وأهانه:
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي مصعب عن مصعب بن عثمان قال:
حجّ يزيد بن عبد الملك فتزوّج بنت عون بن محمد بن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه وأصدقها مالا كثيرا؛ فكتب الوليد بن عبد الملك إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: إنّه بلغ أمير المؤمنين أنّ يزيد بن عبد الملك قد تزوّج بنت عون بن محمد بن عليّ بن أبي طالب وأصدقها مالا كثيرا، ولا أراه فعل ذلك إلّا وهو يراها خيرا منه، قبّح اللّه رأيه! فإذا جاءك كتابي هذا فادع عونا فاقبض المال منه؛ فإن لم يدفعه إليك فأضربه بالسّياط حتى تستوفيه منه ثم افسخ نكاحه. فأرسل أبو بكر بن محمد بن عمرو إلى عون بن محمد وطالبه بالمال. فقال له: ليس عندي شيء وقد فرّقته. فقال له أبو بكر: إنّ أمير المؤمنين أمرني إن لم تدفعه إليّ كلّه أن أضربك بالسّياط ثم لا أرفعها عنك حتى أستوفيه منك. فصاح به يزيد: تعال إليّ، فجاءه؛ فقال له فيما بينه وبينه: كأنّك خشيت أن أسلمك إليه، ادفع إليه المال ولا تعرّض له نفسك؛ فإنّه إنّ دفعه إليّ رددته عليك، وإن لم يردّه عليّ أخلفته عليك، ففعل. فلمّا
[1] القصار: الغاية.
[2] في ح، م: «فانتهج» بالنون بدل الباء. وعلى هذه الرواية يكون الفعل مبنيا للمفعول.