على الكثير، وما وجدت لكم مثلا إلّا ما قال مخنّثكم وأخوكم الأحوص:
وكم نزلت بي من خطوب مهمّة ... خذلتم عليها [1] ثم لم أنخشّع
فأدبر عنّي شرّها لم أبل [2] بها ... ولم أدعكم في كربها المتطلّع
فقام إليه نوفل بن مساحق فقال: يا أمير المؤمنين، أقررنا بالذّنب وطلبنا المعذرة؛ فعد بحلمك، فذلك ما يشبهنا منك ويشبهك منّا؛ فقد قال من ذكرت من بعد بيتيه الأوّلين:
وإنّي لمستأن ومنتظر بكم ... وإن لم تقولوا في الملمّات دع دع [3]
أؤمّل منكم أن تروا غير رأيكم ... وشيكا وكيما تنزعوا خير منزع
أثر أهل دهلك عنه الشعر وعن عراك بن مالك الفقه:
أخبرني الحرمي والطّوسيّ قالا حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن الضحّاك عن المنذر بن عبد اللّه الحزاميّ:
أنّ عراك [4] بن مالك كان من أشدّ أصحاب عمر بن عبد العزيز على بني مروان في انتزاع ما حازوا من الفيء والمظالم من أيديهم. فلمّا ولي يزيد بن عبد الملك ولّى عبد الواحد بن عبد اللّه النّصري [5] المدينة، فقرّب عراك بن مالك وقال: صاحب الرجل الصالح، وكان لا يقطع أمرا دونه، وكان يجلس معه على سريره. فبينا هو معه إذ أتاه كتاب يزيد بن عبد الملك: أن ابعث مع عراك بن مالك حرسيا حتى ينزله أرض دهلك وخذ من عراك/ حمولته.
فقال لحرسيّ بين يديه وعراك معه على السرير: خذ بيد عراك فابتع من ماله راحلة ثم توجّه به نحو دهلك حتى تقرّه فيها؛ ففعل ذلك الحرسيّ. قال: وأقدم الأحوص؛ فمدحه الأحوص؛ فأكرمه وأعطاه. قال: فأهل دهلك يأثرون الشعر عن الأحوص، والفقه عن عراك ابن مالك.
كاد له الجراح الحكمي بأذربيجان لهجائه يزيد بن المهلب وأهانه:
أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب عن محمد بن سلّام عن أبي الغرّاف [6] عمن يثق به قال:
بعث يزيد بن عبد الملك حين قتل يزيد بن المهلّب في الشعراء، فأمر بهجاء يزيد بن المهلّب، منهم الفرزدق وكثيّر والأحوص. فقال الفرزدق: لقد امتدحت بني/ المهلّب بمدائح ما امتدحت بمثلها أحدا، وإنه لقبيح بمثلي أن
[1] في م:
« ... خطوب ملمة ... صبرت عليها ... »
[2] أبل: أصله أبالي، فحذف آخره للجازم، ثم حذفت حركة اللام تخفيفا كما تحذف نون يكون بعد الجازم، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين.
[3] هذه كلمة تقال للعاثر، ومعناها: دع العثار وقم وانتعش واسلم، وقد تجعل اسما كالكلمة وتعرب؛ قال الشاعر:
لحي اللّه قوما لم يقولوا لعاثر ... ولا لابن عم ناله العثر دعدعا
[4] هو عراك بن مالك الغفاري التابعي، مات في ولاية يزيد بن عبد الملك. وقد ورد هذا الاسم محرّفا في أكثر الأصول.
[5] كذا في ح، م. وهو الموافق لما في «الخلاصة» (ص 247) و «تهذيب التهذيب» (ج 2 ص 436) و «الأنساب» للسمعاني. وينتسب كما هو مذكور في الأخيرين إلى نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن مالك بن عوف. وقد أصلح المرحوم الأستاذ الشنقيطي نسخته بما صوبناه. وفي ب، س: «البصري» وهو تصحيف.
[6] كذا في ح. وفي سائر النسخ: «أبو العوّام» وهو تحريف. وأبو الغراف هذا من شيوخ ابن سلام.